التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

المرأة تحيا النص.. والرجل يكتبه

د. فاطمة الشيدي
ملحق شرفات॥ جريدة عمان

لا نزال نسمع بين الحين والآخر ما معناه «أدب المرأة»، وأدب «الرجل»، بل قد يمتد الغي بالبعض إلى حالة من الموازنة بين الكتابتين؛ كتابة أقل مستوى، وكتابة أفضل مستوى.حيث يرى البعض أن مستوى شعر الرجل في العالم العربي أقوى من شعر المرأة. إلا أن هذه الموازنة في أساسها فكرة عقيمة، ومرفوضة تماما، فالكيل بمكيال واحد، أو مكيال جمعي في الإبداع، أمر خارج دوائر التقييم المنطقي، لأن كتابة الرجل، أو كتابة المرأة لا يمكن النظر إليها بمنظار واحد، فلكل كاتب خصوصيته، ولكل نص حالته الخاصة. إن هذا الحكم ليس مطلق الصحة! مع أنه قد يكون صحيحا من خلال الكم، وليس من خلال الكيف، فنستطيع القول أن ثمة تجارب ذكورية أكثر ظهورا وتحققا في العالم العربي من التجارب النسويّة؛ التي لا يخفى على متتبع ظهورها المتأخر نسبيا. إن الإشكالية التاريخية لنص المرأة نابعة من الإشكال الحضاري والإنساني لحضورها هي ككائن، وليس من إشكالات فنية تتعلق بالنص، فهي كانت ولا تزال في الكثير من المجتمعات العربية رهينة سياقات إنسانية خاصة جدا، ويحرم عليها الولوج لسياقات أخرى، أكثر عبورا باتجاه الذات والوعي والحياة، وهذه مشكلة تاريخية تحتاج أزمنة من التواطؤ الجميل مع الحياة والإبداع والحرية؛ لتفتيت رواسب ذلك القهر القديم. إلا أنني هنا أريد توجيه النظر للمسألة بزاوية أخرى، زاوية حادة أو خاصة ربما! حيث أرى أن إشكالية نص المرأة؛ مرتبطة بمسألة نفسية بالأنثى، والعاطفة، والشعر، أو الكتابة بشكل عام، فالنص (غالبا) هو حالة تعويض مقصودة، أو ناقصة عن الحياة، وعن الشعور، وهذه الحالة مهما كانت متعاظمة وفادحة وقصوى، إلا أنها لا تتجاوز كونها حالة خارجية، لأنها تمثل الكائن داخل النص، خارج الكائن، وخارج الحياة. وهناك بالمقابل حالة أخرى داخل الكائن، داخل الحياة، وخارج النص، بمعنى أن يصبح النص هو الحياة، أو هو الكائن نفسه، وليس حالة استعادته وفق رمزية اللغة، ويكون العاطفة وليس حالة تجسيدها أو كتابتها نصا، فينظر للنص هنا بكونه ذاتا، والذات بكونها نصا، فتصبح الحالة الشعورية نصا غير مكتوب، أو عصيا على الكتابة، ولا يقبل حالة تعويض شعورية أقل تصاعدا بالضرورة، وهي الكتابة، ويصبح الشعر حضورا حقيقيا، وليس استعادة للشعور أو التعويض عنه. لذا يصبح النص فائضا عن الحاجة، ولا ضرورة لكتابته، وهذه هي حالة الكتابة عند المرأة، لأن المرأة تحيا النص، وتعيش مفرداته، وصوره، وخيالاته، وإن لم تكتبها، فإن كتبتها قد تأتي بشكل أضعف من حقيقتها، لأنها أصبحت مستهلكة داخليا، أو معاشة في مناطق شعورية أسبق، لذا يكون النص أقل بذخا وثراء، تماما كما لا يمكن المقارنة بين الحالة الشعورية الحقيقية والمكتوبة، فالحب والحزن، أو الألم والوجع كمشاعر معاشة لاشك أشد توهجا من تجسيدها وكتابتها. إن الكتابة عن حالة ما تحتاج إقصاءًا قليلا للحالة الشعورية تلك، للتخلص من سطوتها في البدء، ثم الكتابة عنها من خارج عن ذلك الشعور الطاغي، وليس من مناطقه الملغّمة بالإحساس الحاد، كي لا يجئ النص استفراغا شعوريا لا أكثر، وغالبا ما يكون هشا وغير معبر عن الحالة. لذا ربما يأتي نص الرجل (حالة التعويض) عن حالة مفترضة، أو حالة إزاحية نسبية عن شعور حقيقي هو الأجمل (وهذا ليس في المطلق أيضا!)

تعليقات