التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الوعي الأسلوبي.. وجماليات النص


إن النص في البدء والختام هو عمل فردي خاص في قوته أو ضعفه، وله ضمنيا محددات فنية ذاتية خاصة بكل ناص، أو شاعر، أو كاتب، تنتج من الموهبة الفطرية ومن السياقات النفسية والاجتماعية الثقافية المكوّنة لثقافته وحساسيته الفنية، كما أن لكل نص خصائص داخلية وخارجية، لها اشتراطات، ومحددات نسبية متعارف عليها علميا ونقديا، ولكن الذاتية في الأسلوب الذي يشمل اللغة والفكرة والشعور كثيرا ما تُخْضِع هذه المعايير لشروطها ومرجعياتها الخاصة، والإشكاليات الدلالية في النص ليست ناجمة بالضرورة عن قلة معرفة بأسلوبية النص، أومحدداته البنيوية ، كما أن وجود هذا الوعي الأسلوبي والإلمام بتلك المحددات (الغير ثابتة أصلا)قد لاتنتج نصا جيدا.
ويبقى دور النقد مهما جدا في تحديد عناصر النص، والخصائص الدلالية له، كوضوح العلاقة بين الدال والمدلول، وبنائية النص بشكل محكم ومترابط يظهر فيه السبك والدقة والإحكام في الصياغة، بحيث لا يأتي النص هشا أو ضعيفا أو مهلهلا، وقراءة ملامح الشعرية القائمة على تعاضد البنائية الفنية، والحالة الشعورية النفسية، التي تظهر من خلال الصور المتدفقة بطبيعية وانسياب غير متكلف، ومن خلال الألفاظ ودلالاتها المشعة باتجاه تجسيد المعنى بشكل مائز وجديد.
إن تحليل النص الأدبي تحليلا نقديا دقيقا، يظهر خفايا النص وممكناته الدلالية الواسعة، ومداه الفني، ويحدد الظواهر الأسلوبية الداعمة للنص كالتكرار الفني الذي قد يحقق الفكرة، أو يصيف جمالية أخرى للنص، دون مبالغات كطول ممل، أو قصر مخل، وشفافية الصورة بلا غموض متقصَد، ولا وضوح مجحف، مما يبرز أسلوب الناص ويحدد الملامح الأسلوبية الفنية الخاصة به، والتي قد تتمثل في صيغ التركيبات اللغوية الإسنادية الفعلية أو الاسمية، والتركيبات الإحالية، وزمن الأفعال، والحروف، والأساليب كالتوكيد والشرط، والنداء والاستفهام والتعجب وغيرها، وأدوات الربط، والقرائن اللغوية، التي تربط معاني النص بألفاظه، وأثرها في بنائية النص، وأسلوبيته.
كما يركز على الاهتمام بالمعنى من خلال سلامة العلاقات التركيبية والدلالية، ليكون الأسلوب النصي سليم التركيب، صحيح المعنى، مجافيا للتكلف في إنتاج صوره، وبناء عباراته، بعيدا عن الإطناب والإسهاب،والتقصير والعجز.
كما أن الناص قد يميل في بناء نصه للاستعانة بالتناص لخدمة المعنى، فيهدف لترصيع نصه بشواهد كلية أو جزئية قديمة أو حديثة، كما قد يوسع فضاءه النصي بامتداداته الأفقية والرأسية في تشكيل ملامح صوره الجديدة والمبدعة، ويربط نصه بالسياقات الفنية كالرمز والأسطورة، أو النفسية بالكتابة من أعماق شخصية ما، أو بالسياق الاجتماعي الذي يتمثل في توجيه النص نحو قضية اجتماعية ما، لخدمة المعطى النصي والقارئ المحتمل الذي يفترض به أعلى درجات الوعي والثقافة.
فإذا كان الناص ملما بهذه التقنيات الفنية واللغوية والأسلوبية فإنه قد ينتج نصا محكما وناضجا،(وهذا ليس بالضرورة كما أسلفت، لأنه قد ينتج نصا هشا، وقد ينتج شاعر نصا محكما دون الإلمام بالأسلوبية النصية ومتعلقاتها) كما أنه لا يفترض بالناص إدراك كل العناصر الفنية والأسلوبية، لأنه خارج فكرة تخطيط منهجي لبناء النص أو ضبط محدداته غير المحددة أصلا، فهي مفتوحة وقابلة للحذف والشطب والإضافة والتكوين وفق ذهنية الشاعر وأفقه وثقافته، ولكن تبقى علاقته وثيقة بالإشكالية المطروحة، وبمحاولة بناء وعي أسلوبي متطور يخدم نصه، وتكوين ناقده الذاتي أو الضمني الذي يهتم بالاشتراطات البنيوية للنص الحديث، والتي هي متحررة من الثبات وذاهبة أبدا نحو التغيير والتحرك والتبدل.

أجراه الصحفي عبد الحليم البداعي لملحق أشرعة 2008)

تعليقات