التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

سعادة فاطمة التي لاتشبه سعادة الآخرين

حوار وضحاء السعيدي
مجة أسرة اليوم - عدد يناير 2009


١- بدايات كل متميز مهمة لنا، لمعرفة المزيد عنها إضافة إلى ما قرأنا وسمعنا عنك، فحدثينا عن بداياتك؟ وكيف بدأت في سلم النجاح؟
البداية دائما هي يد تأخذ بيدك للقادم، كانت الأسرة والمدرسة وحالة الكشف لبذرة الكتابة الأولى هي البدايات، ثم تأتي مرحلة اكتشافات الذات الطويلة والممتدة، وحالات التعثّر والنهوض، مع الإيمان بالهدف والسعي لتحقيقه، ومراجعات الحالة داخلك كثيرا ودائما، للتأكد من حجم خطوك، والمسافة التي قطعتها، والتأكد من ثبات وثقل ما تحمله، ورغبتك في المضيِّ في درب طويل، تعرف سلفا أن كل خطوة تمشيها تفصلك عما قبلها وربما عنك أيضا، وتصعّب عليك طريق العودة إلى نقطة لن تعرف حدودها فيما بعد.
ثم تأتي البدايات والنهايات المتكررة ولا تزال تأتي..

٢- ما النوع الكتابي الذي بدأت في الكتابة عنه؟ هل هو الشعر أم لك بداياتك كتابية خفية بدأت بها؟ وما سبب اخيارك لهذا النوع الكتابي بالتحديد؟
بدأت بالشعر، وأعتقد أن أغلب من كتب بدأ بالشعر، الشعر قدر العربي، وقدر الثقافة العربية، يفرض نفسه عليك لأنه أول ما تقرأ، وما أجمل ما تصدّره الثقافة العربية لأبنائها، فهو الذي يختارنا وليس نحن من نختاره، إنه حليب الأم، ومرود الكحل، وأغنية المهد، وسمير المجالس، وذاكرة البدايات، فلا عجب أن نفتتن به ونحاول محاكاته فيما نكتب، حتى تتخلق شرارة المغايرة، فنذهب باتجاهات أخرى ربما فيما بعد، أو نظل عند مرافئه الفضية.

٣- ينصح العديد من الأدباء والمتمرسين والأكاديمين للمبتديء في الكتابة أيا كان نوعها، ليجد ثقافة واسعة؟ فما الكتب التي تنصح بها فاطمة لينهل المبتديء منها ويكون لديه الثراء الخصب؟ والذين لا يملكون هواية القراءة كيف توجهينهم؟
أنا لا أستطيع أن أضع نفسي في موضع النصح والإرشاد والتوجيه للآخر في هذه النقطة بالذات، كما لا أستطيع أن أكون مقيمة لذوقه وذائقته، المهم اكتساب عادة القراءة، ليقرأ كل ما تقع عليه عينه حتى كتب الطبخ إن شاء، المهم أن يكتسب عادة القراءة، لتصبح جزءا من ذاته، وتفاصيله، وخياراته، ومن ثم سيجد نفسه تلقائيا في اتجاه الأدب، وبعد ذلك سينمو لديه الحس النقدي التذوقي، وسيعرف هو بنفسه أهم الكتب التي تدعم تجربته، وتساعد موهبته، وتسهم في تخلق الكتابة داخله.
أما الذي لا يملك موهبة القراءة، فليحاول معها، مراودا، ومداعبا ومغازلا حتى يقدر عليها، وتقر في نفسه، ويركن لها، فالقراءة دربة ومران، فليحاول أن يوطن نفسه على حب القراءة، حتى تتعلق بها نفسه، وتركن لها ذاته، وتصبح جزءا من طبيعته.

٤- "تحديد دلالات الخطاب خارج النص"، حدثينا قليلا عن هذه الدراسة التي تميزت بها في حصولك على درجة الدكتوراه؟ وما سبب اختيارك للموضوع؟ وهل هناك دراسات كتبت قبل ذلك حول الموضوع؟ولمن؟
الموضوع يبحث في فكرة ضرورة إلمام المتلقي بالتعالقات النصية الخارجة عن النص، والإحالات الفنية، والنفسية والاجتماعية التي تسهم في تدعيم فهمه له، كالقضايا الاجتماعية والإنسانية، والرمز، والأسطورة وغيرها،كي لا يجد نفسه غريبا عن النص أو بعيدا عن المعنى الحقيقي في فهمه له، وكانت الفكرة منطلقة من ما وراء الخطاب أو النص، وسبب اختياري للموضوع البحث في علائق النص، والقراءة في النصيات والمتعالقات النصية وفضاءات الخطاب والنص.
وبالطبع هناك أدبيات قديمة وحديثة حول الموضوع كإشارات، وأفكار، كما أن هناك تناول للسياق(مناسبة النص) في القرآن الكريم، ومع استفادتي منها إلا أن مدخل دراستي كان مختلفا، وكذلك المعالجة كانت بشكل لغوي بلاغي أسلوبي.

٥- تفوقك وتحقيق طموحاتك إلى من ترجعيها بعد الله سبحانه وتعالى؟
إلى كل من حاول كسري، فقررت أن أهديه نجاحاتي كرد طيب للجميل ، وإلى حزن يسكنني قررت إبهاجه بقليل من الفرح، وإلى ذات عرفتْ منذ البدء أنها جاءت لطريق مختلف، وحالة مغايرة في الحياة، وآمنت بهذا ومضت في الطريق إليه، وإلى وطني الصغير "أسرتي" ، ووطني الكبير "عُمان".

٦-تميزت بثلاثة دواوين شعرية:"هذا الموت أكثر اخضرارا"، "خلاخيل الزرقة"، و"مراود الحلكة" الذي يعتبر أجدد ديوان شعري لك؟ هل بإمكانك أن تعطينا أسباب اختيارك لأسماء هذه العناوين؟ وما يحمل من فكرة كل ديوان؟
كل عنوان لمجموعة شعرية هو في الغالب هو عنوان نص من نصوصها، وهو النص الأهم فيها تقريبا، النص/الديوان الأول يحمل فكرة الموت الأخضر الذي لا يخلف خرابا في الروح، ونص خلاخيل الزرقة، حمل فكرة أنثى البحر وحضورها الموارب بالبهجة أو بالحزن، وتقليص فكرة الأشياء المعتمة بادعاءات الزرقة، أما مراود الحلكة فهو حالة اكتحال جسيمة بالحزن، واتحاد مطلق مع الليل.

٧- عقبات واجهتك خلال مشوارك التعليمي والحياتي، من انتقادات وصعوبات؟
لابد من صعوبات تعترض طريق الحياة، فهناك البشر الذين لا يتقنون قراءة الجمال، والألوان البيضاء فيحتاجون أن يدمغوها بألوان أكثر قتامة؛ ليكون مناسبا لعيونهم الحالكة قراءتها، وأولئك الذين يحملون ذاكرة الحسد ومعاول هشة لتفتيت عزائم كل من يسير نحو البهجة، وهناك الفصاميون الذين يعيشون بوجهين وبلونين وبأنصاف مواقف. ولكن متى ما وضحت الأهداف، تكون الصعوبات حالة تحدي، ويكون النقد دافعا للمضي بشكل أكثر قوة واندفاعا.

٨- حدثينا عن تجربتك المسرحية من خلال مسرحية "مردة الوهم" التي قرأتها فهي مسرحية غريبة فعلا من خلال اختيارك للشخصيات" تماثيل، وجسد بلا رأس، وامرأة فوضى في شكلها"، وما إلى ذلك من شخصيات أخرى؟
المسرح لدي نص تجريبي، وربما غرائبي في بعض الأحايين، يقول فكرة شعرية بشكل أكثر فصاحة من الشعر، وبحالة بمواربة فذة، أو مختلفة عن المسرح، فهو في النهاية نص، ولكنه نص حواري فقط، وهذا ما كان في "مردة الوهم"، و"فخاخ العدم" الذي نشر مؤخرا في نزوى، ونصوص أخرى لم تنشر بعد.

٩- ما ردك على من يقول: أن ا للغة العربية ليست اللغة العصرية، فتصطدم بالكثير من التجاهل، وأصبحت العاميات واللغات الأجنبية تسجل انتصارات باهرة؟
هذا حاصل فعلا! ولكن الرد الحقيقي عليهم، إن من يتخلى عن لغته، يتخلى عن هويته
فاللغة ذاكرة أمة، ومعيار تقدمها أو تراجعها، ولعل الأمر واضح بالنسبة لنا في هذا المضمار، فعندما كنا أهل لغة حية وقوية، كنا رواد العلم والحضارة، والأمم والشعوب، بينما..ما نحن الآن؟!، في حين وصلت اللغات الأخرى للعالمية، ولذروة التقدم بسبب تمسك أبنائها بها.

١٠- ما هي خططك المستقبلية القادمة التي تضعيها لك؟ أو عمل بدأت فيه ولم يكتمل بعد؟
الكتابة لدي حالة مستمرة، لدي مشاريع عديدة في الشعر والنثر، سأفرج عنها كتبا تباعا بين يدي قارئي، وسيكون أولها" المعنى خارج النص" وهو بحث الدكتوراه.

- كلمة حرة تحبي أن تتفوهي بها لقارئك؟
لنقرأ ذواتنا جيدا.. لنعرفها.. لنتصالح معها.. ولنقرأ العالم الخارجي من خلالها، ومن ثم نحدد ما نريد في هذه الحياة، ولنختار الدرب المناسب لنا في العبور إليها، ثم نعبره في هدوء وصمت، مدركين حلاوة العبور مهما كانت الصعوبات، مبتسمين للقادم، كي لا تخدشنا حمى الجدران المستطيلة على جوانبه، أو الشوك المتناثر بدلال في قلبه.
وعلينا منذ الأزل أن نهيئ لأنفسنا مساحة مناسبة للمكوث في قلب هذا الكون، مساحة بكل شجنها ورعونتها لا تصلح إلا لنا، مساحة حنونة كقلب طفل، أو عين أم، أو لغة خضراء. المهم أن نعي جيدا أن هذا هو ما نريده فعلا، كي نحقق السعادة الخاصة بنا، فلكل منا سعادة، لا تشبه سعادة الآخرين!

تعليقات