التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

قراءات في الأدب العماني

د. محمد الشحات
جريدة عمان - شرفات

في قراءتنا السابقة لنصوص إبداعية من الأدب العماني خلال شهر اكتوبر الماضي سعينا إلى تأمّل وتحليل تلك المراوحة بين فنّي الشعر والقصة في إبداعات المجتمع العماني وتأرجح كثير من الكتّاب والكاتبات بينهما. ثم ذكرنا كيف أن الشعر العربي القديم قد نهض على فكرة «ديوان العرب»، الأمر الذي أقحمه - خلال حقب تاريخية مختلفة - في معارك وحروب ثقافية ودينية لا ناقة له فيها ولا جمل، لا لشيء إلا لإثبات الذات والبحث عن هوية خاصة، أقصد إلى هوية شعرية تستطيع أن تلتقط النغمات المتنافرة للزمن الحديث كما فعلت الرواية وفنون القصّ بصفة عامة في أزمنتنا الراهنة. من هنا، راحت القصيدة العربية المعاصرة تتلوَّن في أشكالها كالحرباء كي تعبّر عن صراعات الإنسان المعاصر وتحولاته وأزماته في شتّى مجاليها، فاهتمت بالإنسان متعدّد الأبعاد بالطبع، إنسان آينشتين والنسبية والفانتوم والاستنساخ، الإنسان الذي أنتجته فلسفات الحداثة وما بعدها، وليس الإنسان ذا البعد الواحد الذي كانت ترسّخ له المجتمعات والفلسفات السابقة. لكنّ ما أخفق (كثير) من الشعر في تحقيقه، نجح (بعض) فنون السرد في التعبير عنه وتفجيره وتثويره. لذلك، أصبح الشعر الحديث بصفة عامة والشعر العربي بصفة خاصة في مأزق لا يحسد عليه.
لكن الظاهرة اللافتة للنظر حقًّا بالنسبة إلى مَنْ يتأمّل الفضاء الإبداعي العماني هي توجّه كثير من الكتّاب والكاتبات - في بداية تكوّنهم الإبداعي - نحو أرضية الشعر العربي المترامية الأطراف، ثم نراهم ينتقلون شيئا فشيئا إلى فضاء الرواية والقصّ بعد إصدارهم الشعري الأول وربما الثاني، ولا يعودون إلى رحم الشعر إلا على استحياء بين لحظة وأخرى. وقد نستشعر من وراء هذا التوجّه نحو جنس الشعر في البدايات - في بعض الأحيان - سَبْقَ الإصرار والترصّد، فيسقط بعضهم على أرض القصيدة العمودية بجلال الشاعر الذي »هبط الأرض كالشعاع السّنيّ بعصا ساحر وقلب نبيّ«، ويقع الثاني في هوى قصيدة التفعيلة فيطارحها غرام الكتابة المتحرّرة وفتنة إيقاع المدينة المراوغ التي هي »مدينة بلا قلب« في أغلب الأحوال، بينما يأبى الثالث إلا أن ينهل من رحيق قصيدة النثر ويكتوي بغوايتها القاتلة المقتولة، غواية اللَّعِب من حيث هو كتابة، والكتابة بوصفها »بنيةً وعلامةً ولَعِبًا« كما كان يقول جاك ديريدا، منظِّر التفكيكية الأول، جزائري الأصل، فرنسي الجنسية. لكنّ السؤال يظلّ معلّقا: لماذا نلجأ إلى اختيار جنس أدبي بعينه دون غيره؟ هل هي حاجة جمالية فحسب؟ أم حاجة اجتماعية ثقافية؟ أم هما معا؟ (يظلّ السؤال مطروحًا، ويحتاج منا إلى مزيد من المتابعات في الأعداد القادمة بإذن الله).
لذلك، سوف نقف هنا على عدد من النصوص الجيّدة، ما بين الشعر والقصة، وردت على صفحات «شرفات» خلال شهر نوفمبر، وهي نصوص لكل من: عبدالله المعمري وأمل المغيزوية وعبدالله حبيب وفاطمة الشيدية.
1- عن «الخَلْق»، و»مديح الكسل»:
في قصيدته النثرية القصيرة «ابتكار»، يتعامل عبدالله المعمري مع امرأة تخلقها مخيّلته، راسما لها سمات وملامح بعينها، عبر مقطع وحيد بالغ الاختزال والتكثيف. يقول فيه:
سأبتكر امرأةً من صدف البحر
وأمنحها عطرا وقحا
وأرشّ على عينيها طنّا من أسرار السحرة
ولأني سأموت من العشق
سأمنحها أيضا
قلب نبيّ
ولأني أرجع طفلا بين ذراعيها أمنحها
جبلين من العطف
وتلاّ من قلق العشاق.
تمتاح صورة المرأة في قصيدة المعمري القصيرة من تربة عمانية واضحة المفردات. فهي مخلوقة من أصداف بحرية في منطقة جبلية تشبه كثيرا جغرافيا المدن العمانية الساحلية الجبلية في الوقت نفسه. ولأن صدف البحر وحده ليس كافيا لبعث الحياة في المخلوق الصَّدَفي الجامد، فإن ذات الشاعر/الإله/الخالق سوف تمنحها (أو: تنفث فيها) عطرا وقحا، أي عطرا دنيويا فيه وقاحة الدنيا ورخصها ونذالتها وخسّتها، وفيه إنسانيتها وغوايتها أيضا. لكنَّ كل ما سيقوم به الخالق (المبدع) حتى يصنع ما يريد على عينه، إذا استعرنا عبارات الكتاب المقدّس (بداية سفر التكوين) والقرآن الكريم (قوله تعالى لموسى: »ولتصنع على عيني«)، لا تكفي لضمان حياة المخلوق (أو: المخلوقة). لذلك، سوف يرشّ عليها طنًّا من أسرار السحرة حتى يضمن لها البقاء عمرا مديدا، أو لنقل حتى يضمن لها صفة »الخلود«. لكن صفة الخلود التي تضفيها قصيدة المعمري على المرأة تباعد ما بينها وبين خالقها (الإنسان) الذي سوف يمنحها قلب نبيّ حتى يبلغ اتّساعه اللامحدود ذاته، فتهوَى من تشاء ويهواها كل المخلوقات. أما مصير خالقها (الإنسان) فهو الفناء في العشق كفناء المتصوفة في ذات المحبوب الأوحد (الله)، أو على أقل تقدير تضاؤل الرجل العاشق إزاء المرأة المعشوق من منظور فرويدي يتحول معه كل رجل إلى طفل رضيع ينهال على صدر أمه. وحتى تكتمل مفردات صورة الخَلْق شعريا، سيقوم هذا الطفل الرضيع بمنح امرأته جبلين من العطف وتلاًّ من قلق العشاق. وعلى الرغم من قِصَر قصيدة المعمري، فإنها تتسمّ بكثافة الصورة الشعرية التي هي صورة تمثيلية من صور الخلق الذي كان على المعمري أن يسمِّي بها قصيدته دون مواربة، فتكون «خلق» بدلا من «ابتكار»:
«سأخلق امرأة من صدف البحر
وأمنحها عطرا وقحا
... ... ... إلخ».
لكن تردّد المعمري وخوفه من تسمية قصيدته باسم «خلق» ربما سداً للذرائع بالمعنى الفقهي، أو اتّباعا لمبدأ «التقية» لا يقلّل مما تتسم به القصيدة من جمال. ومع ذلك، سوف يكون المعمري نفسه أكثر جرأة في مقطوعته التالية حين يصف امرأته، من حيث تمثيل شعري للمرأة العربية، بأنها «أكثر كسلا من طاولة الغرفة»:
كفتاة ناضجة في العشرين
مترعة بالشهوة أو مثقلة بثمار الله
تغرس أطراف أصابعها في صدر أشعر
أو تمسح رأس الهرّ الرابض مثل ملاك
يتوجّب أن يتنازل هذا الكون الكامل عن ألعاب طفولته
من أجلك.
ولا يخفى بالطبع تلك الإشارات ذات المحمولات الجنسية الرمزية التي تلمّح ولا تصرّح، وتكني ولا تفصح، فجسد المرأة حين ينضج بالشهوة أشبه بشجرة مثقلة بثمارها المدلاّة، وحين تتأجَّج بها نيران الشبق تغرس أصابعها في صدر الرجل الأشعر ذي الملامح الصحراوية أو تمسح جسدها في أعضاء ذكورته كمن يتمسّح بهرّ بالغ النعومة والإحساس بالدفء والحميمة. لكنها امرأة سلبية، كسولة، هي نتاج ثقافة عربية قديمة رسَّخ لها تراثنا العربي القديم شعرا ونثرا:
ولماذا تمضين سنينا كرشاء (بمخالب عطر شهوي)
عابثةٍ بحذاء العاشق
هل يتنازل عن كل حذاء يملكه ويضرب خيمته
في باحة دار أبيك
... ... إلخ.
لكنها امرأة تجمع بين الكسل والشراسة، بما قد يومئ إلى تغيّر مفردات صورة المرأة العربية المعاصرة عن مثيلاتها في الحقب السابقة:
تبدين امرأة أكثر كسلا من طاولة الغرفة
وأشرس من نار نفطية
الفارق أنك بيضاء أكثر من لون أبيض.
ولا تعني صفة البياض، هنا، في ظاهرها إضفاء طابع إيجابي على المرأة العربية، من حيث الجمال أو النقاء، بل ينطوي الوصف في باطنه على بعض المحمولات السلبية كالخواء والفراغ وعدم القدرة على اتخاذ موقف أو قرار.
2- صور الموت:
في قصتها القصيرة «تفاصيل»، تتناول أمل المغيزوي سرد الموت من وجهة نظر طفلة صغيرة يموت لها أحد الأقارب، فتقدّم لنا وقع فعل الموت على الطفلة/الراوية خلال أحداث يوم كامل:
«تذكّرتُ ساعات ذلك اليوم بكل وضوح، وبرزت كل التفاصيل دفعة واحدة في تدفّق مستمر لم أستطع إيقافه..».
وما أريد قوله بخصوص هذه القصة، رغم كونها قصة عادية، ليس الحديث عن الموت بل الحديث عن تأثير وجهة نظر السارد في اللغة السردية، ومن ثم التأثير في المتلقّي:
»بيت خالتي يكتظّ بأجساد عديد حاولتُ المرور من بينها بصعوبة. توقَّفْتُ كثيرا وأنا وأرى قطعة قماش بيضاء يتشبّث بها أحد الرجال بإصرار غريب وامرأة تناوله عدة زجاجات من عطور مختلفة تشبه العطور التي تضعها جدتي على جسدها الهزيل..«.
سوف يتحول هذا اللون الأبيض في ذاكرة الفتاة إلى رمز للموت بسطوته وهيمنته وثقله على النفوس:
«لم أنم في تلك الليلة. حاولت تذكّر وجه «خميس» مرارا، لكن اللون الأبيض طغى على معالمه (...). كرهت الآن الموت. بدأتُ أمقت اللون الأبيض وزجاجات العطر..».
إذا كانت «تفاصيل» أمل المغيزوية تتعامل مع الموت بوصفه قدرا مقدورا لا فكاك من أسره، وترسم ملامحه من وجهة نظر ساردة طفلة لا حول لها أو قوة إزاء هذا الحدث الجَلَل، فإن نص »موتٌ حدثَ قبلَ بدايتِهِ« لعبدالله حبيب يسعى إلى مقاومة أو مناهضة الموت بشتّى الطرق من وجهة نظر الكبار، ولو على سبيل السرد. فقد حاول »المغدور« - كما يصفه راوي النص - أن يتخلص من سطوة الأب، لكنه وقع في سَطْوات أُخَر. فشل في التدريب العسكري، وأخذ ينتقل في رحلة الحياة القاسية من مدينة إلى مدينة، ومن عاصمة إلى أخرى. أي أنه باختصار عاش حياة المنفِيّ حتى استقرّ به المقام في غرفة بائسة مظلمة عديمة التكييف وذات دخان أصفر كثيف وغبار يخترق الصدر حتى نال منه المرض لدرجة لا بُرْءَ منها، وانتقل به الأهل من مستشفى إلى آخر دون جدوى. عندئذ لم يكن أمامه سوى الحكي عن كل شيء، عن الحياة والمرأة والجنس والممرضات البدينات، فتشبّثت مخيّلته بمقوّمات الحياة في الوقت الذي كان جسده يمضي بخطى حثيثة نحو القبر. هكذا يحدّثنا الراوي مستخدما ضمير المخاطَب:
«كنتَ سعيدا معه وله لدرجة أنك كنت تحسد مخيلته الخلاقة على المهرجان الجنسي الروماني الذي يقيمه بكل هذه الزندقة والمجون والجنون في غرفته البيضاء الصغيرة في بيت الموت والمرض من دون أن يعلم أو يحسّ أحد بما في ذلك ممرضته البضّة. لقد نسي كل شيء، واغترب عن كل شيء إلا الجنس. فمَرْحَى لذاكرته ألف مَرْحَى».
3- الذاكرة بوصفها وطنًا:
في قصيدتها الطويلة جدا المعنونة باسم «ذاكرة المشيمة»، تؤرّخ فاطمة الشيدية لوطنها، أو لنقل بلغة أدقّ: تؤرّخ لمفهوم »الوطن«. لكنّ المفهوم المركزي الذي يتمحور حوله »وطن« فاطمة الشيدية هو »الذّاكرة« من حيث هي تسجيل وتأريخ وجغرافيا في آن.
تنبني قصيدة «ذاكرة المشيمة» على عدد كبير من المقطوعات المتصلة المنفصلة في آن (24 مقطوعة). لكنّ كلاً منها يستقلّ بوجه وحيد من وجوه الوطن المتعدّدة؛ الأمر الذي يتحول بشعرية القصيدة من مدار قصيدة نثر تتحرك بخفة المجاز والخيال حول الأشياء والمفاهيم التي كنا نظن أنها مستقرة في ذاكرتنا (وما نحن إلا مخدوعون)، إلى مدار وثيقة أو مدوّنة تتغيّا التفصيل والتقصّي. لذلك، سوف تكثر المفردات التي تتخلق منها ذاكرة الوطن عند فاطمة الشيدي، بل هي بالأحرى »ذاكرة المشيمة« أو الرّحم الأول الذي يجب على كل إنسان أن يظل موصولا به، مهما ارتحلت به الذات في الزمان أو المكان؛ لأن القطيعة مع الرحم أو المشيمة هي الموت عينه:
- وطني ذاكرة تتهجّى مفردات الحياة.
- وطني أصابع تعاقد أصابع الحزن في لحظة الفقد.
- وطني الأجساد البضّة تتعلَّم لذة العناق؛ إذ يتداعى الحنين.
- وطني أسرار الرمل الطاهرة مخبوءة في كريات الصحراء.
- وطني لغة السلام المرفرف كالأجنحة،
خارطة البياض المتمادي في عنفوان الفراغ.
- وطني غرف الذاكرة المطفأة إلا من بقايا سراج،
ولذّة عود شهيّ.
- وطني لكنة اللغات تختصر مسافات الحكي،
وتمدّ جسورا من البهجة بين الحروف، ... ... ... إلخ.
وعلى الرغم من تعدّد صور الوطن في القصيدة، فإن الصورة التي استوقفتني مندهشا هي الآتية:
«وطني أحاديث المطر تثرثر بين الحقول
إذ يحرسها (خيال المآتة) والعصافير تضحك
على أنفه، يأكله الدود فلا يستجير، والأيدي يشقّقها الغبار على مقربة من السماء؛ إذ ترتفع بالدعاء.
والساقية تدغدغ الأناشيد فتعلو في بهجة المزامير».
لا أعلم في حقيقة الأمر ما علاقة هذه الصورة شديدة المصرية التي ذكّرتني بقصائد صلاح جاهين الأولى من ديوان «الأرض والطين» وفؤاد حدّاد وعبد الرحمن الأبنودي بذاكرة المشيمة أو ذاكرة الوطن عند فاطمة الشيدي. وليست هذه شوفينينة كما قد يتراءى للبعض، بل أقصد مرجعية الصورة الشعرية التي تمتاح من بيئة مختلفة، بيئة زراعية بالأساس فيها »خيال المآتة«، و»الساقية« و»المزامير«. أقول: من أين أتت فاطمة الشيدية بهذه الصورة التي أراها – رغم جمالها – لا تتسق و»وطن« فاطمة بجغرافيته المختلفة تماما.
يبدو لي أن هذه القصيدة كُتِبَتْ من خارج الوطن، إذا استدعينا عنوان مذكرات إدوارد سعيد Out Of Place، بحسّ نوستالجي واضح يوازي إحساس المنفيين والمغتربين، حيث تتضامّ مفردات صورة الوطن وملاعب الصبا والشباب وتنشط الذاكرة الشخصية والذاكرة القرائية أيضا، وتتحول صورة البيت المتواضع إلى »جنّة« تسكن قاع المخيّلة، ولا يمكن استئصالها بحال. إنها كتابة تقوم على منطق التداعي الحر أكثر من كونها كتابة إبداعية تخلص لمفهوم الجنس الأدبي الذي يؤطّرها، شعرا كان أو نثرا.

ناقد مصري
أستاذ مساعد النقد الحديث بجامعة نزوى

تعليقات