التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي لشرفات

الشاعرة والكاتبة فاطمة الشيدية لشرفات: الكتابة كالحب … لا أنتظر منها الكثير
حوار: محمد الحضرمي


منذ صدور عملك الأول: (هذا الموت أكثر اخضرارا) عام 97 وحتى أحدث عمل روائي لك: (حفلة الموت) صدر هذا العام .. هل هي محاولة للبحث عن الذات/ الذات الشاعرة أو الذات الكاتبة في داخلك، بين الشعر والسرد؟
يقول نيتشه: «كل الأشياء خاضعة للتأويل، وأيا كان التأويل فهو عمل القوة لا الحقيقة». وأنا لهذا السبب أكتب، لأقرأ العالم بمزاج حر يخصني وحدي، الفن كله لديّ حالة واحدة، وهي محاولة التلذذ بالتشرذم كالضوء في منشور زجاجي، أكتب علني أعرفني يوما، فأنا لازالت مجهولة لديَّ تماما، أنا لا أبحث أيضا! ولكن أجرّب تدوير العالم في رأسي بزوايا مختلفة كل مرة، علها تطابق زاويته المتغيرة يوما ما. أنا أكتب فقط! خارج فكرة الأشكال والتجنيس، فالكتابة لدي نص ينجزني بمهارة عازف قانون، متخذا شكله النصي الخاص، متجاوزا أحيانا كثيرة فكرة اللغة إلى المسرح والموسيقى والتشكيل، بتجاور متماهٍ مع الكتابة التي غلبتها لضعف لا لقوة، فلا حدود بينية واضحة لديَّ بين الفنون جميعا، ولا يوجد حد فاصل بين الفلسفة والعلم، وبينها وبين الأدب، فأغلب المبدعين في العالم شعراء وكتاب ونقاد وفلاسفة في ذات الآن، ويمارسون الترجمة والفن التشكيلي والموسيقى أحيانا كثيرة، جوليا كريستيفا ناقدة ولغوية وروائية وشاعرة، إيزابيل الليندي مسرحية وكاتبة وصحفية ومعلّمة، ظبية خميس شاعرة وناقدة وروائية وتكتب في السياسة والفكر، وصباح الخراط زوين ناقدة وشاعرة. فلا يوجد تناقض في الأمر. الصفحة البيضاء تسمح لنا باستخدام أكثر من لون، كما تسمح الحياة بأكثر من قناع، والعالم أصبح خارج الأنماط، بينما نحن نتفنن في تصنيعها لنحيا ضمنها وكأنه تنقصنا الأسوار!

من عناوين نصوصك ومجاميعك نلاحظ طغيان ثيمة الموت.. كيف ترين هذه النهاية؟
الموت لدي فكرة وجودية، وليس الحالة الفيزيائية الجمعية، إنه أشبه بفكرة الخلاص، الموت في مقابل الحياة، وليس ضدها، المَوت داخل الحياة، فالموت نهاية، والنهاية خلاص، والخلاص ثمرة من ثمار المعرفة! مهما كان موجعا فإنه يركن لراحة ما.

اخضرار الموت هل تسكنك حالات الموت؟.. ولماذا هو أكثر اخضرارا مع أنه يعني الفقد والنهاية والامحاء؟
يسكنني هاجس الفقد، وليس الموت، والموت الذي كان يحكيه (النص) كان أخضر؛ لأنه لم يخلّف خرابا، بل ترك وراءه حالة حياة أجمل، لذا لم يكن قبيحا كما الكثير من الموت.

عرفت فاطمة الشيدية بكتابتها لقصيدة النثر، فكانت كمن يدخل خباء مُحرَّما، هل كانت هذه التجربة هروبا من تجربة الوزن المثقلة بتراثها العريق، وأسماءها الكبيرة، وهل وجدت في النص النثري فضاء مفتوحا وحريَّة أكثر للبوح؟
في البدايات كنت أبرر مثل هذا السؤال، بأن لي محاولات في ما سبقها، الآن أقول: أنا مذ جئت للكتابة وأنا أكتب النص فقط، وبلا نوايا هروبية، أو تخففيّة بوحية، أو غير ذلك مما قد يبرر به البعض أشكال كتاباتهم، وربما بلا تخطيط مسبق، وبلا دافعية خارجية، أكتب النص لأن كتابتي تتخلق وفق هذا الشكل لتداعيات نفسية فقط. ولم أعد أميل للتسميات، وللتجنيس (قصيدة الوزن)، (قصيدة النثر) ولا نعلم القادم ما هو!، تشبث العرب بالقصيدة بشكلها وأطرها (علم قوم لا علم لهم سواه) هو ما أفرز فكرة (قصيدة النثر)، بشقين متنافرين، إنها نص خاص، أو جنس مختلف إن شئت، ولا يفترض أن نكون بعد هذا الزمن متتاليات للماضي الشعري، أو ورثة لشكل مهما عظم قدره. عني أنا أكتب النص في كل أشكاله، الشعر والنثر، وحتى في ما يشبه الكتابة النقدية هي نص على نص.

في نصوصك صور شعرية مكثفة، يكتنفها الغموض، وأحيانا الوضوح والعفوية كما في نصك الأخير المنشور في شرفات (ذاكرة المشيمة)، ماذا عن هذه التجربة؟أعني لِمَ يكن النص لديك غامضا أحيانا وواضحا وبسيطا في تجربة أخرى؟
الغموض من وجهة نظر من؟! هذا هو السؤال! في الغالب في كتابتي أهتم أن ينطلق النص من منطقة مجروحة في الشعور أو الذاكرة، ثم يأتي الاهتمام بالصورة الشعرية، وبشكل أكثر من اللغة، واقيّم النص لي أو لسواي وفقهما أي الشعور والصورة، ثم تأتي اللغة (التي أعتبرها هما يعنيني في الكتابة حتى آخر رمق) في الدرجة الثالثة، لذا أحاول جاهدة الجمع بين هذه العناصر بسياقاتها الداخلية والخارجية. ولكن ليس بالضرورة أن أقدم صورا جاهزة، وعواطف باهتة كي أدرأ عني تهمة الغموض. أمّا (ذاكرة المشيمة) فهو لم يقدم نفسه كنص بالمعنى الشعري، لقد جاء بعفوية كحالة تدفق متراخية بشدة، مجافيا لكل معايير الصنعة الشعرية، جاء فقط ليحمل فكرة بسيطة وهي الاحتفاء بالوطن من الذاكرة الأولى المشيمية الهشة بكل مفرداتها الخاصة والحنونة، حتى الذبول أو الغياب بكل حالاته، وهو موجه لمتلق عام، ولابد أن يصل له بيسر، وهو أيضا! قديم في تخلّقه الأوّل، وهذه حالة بعث له فقط.

نص النخبة متى يكون الشاعر غامضا؟.. بصيغة أخرى هل هناك غموض في الشعر أم قصور في تصور المعنى لدى القارئ؟
الأمران معا، النص الحديث نص إشكالي ملتبس، بحكم تراكمات المعرفة، وثقل الإرث الثقافي والنصي، وبحكم اضطراب (الكائن/الناص) المتّحد بالدهشة الكونية وبكل هذا السطوع والضجيج والذي يسبب حرقة الألم وارتباكات الأسئلة، هذا الكائن (الناص) الذي لا يمكن أن يجيء سافرا كما كان، لذا فالنص الجديد ( ليس بشكل مطلق) يحتاج قارئا حادا، ومتربصا بالمعنى الموارب، لذلك فهو غالبا يخاطب النخبة، لأن القارئ العادي ينتظر نصا سريعا أو مسبق الدفع.

حفلة موت تجربة روائية صدرت لك مؤخرا عن دار الآداب اللبنانية .. ما سر هذا الانتقال من الشعر إلى الرواية؟ .. هل كنت تبحثين عن مناخات حرة وفضاءات أوسع للكتابة؟
كما قلت سابقا أنا لا أؤمن بالتجنيس والأشكال، وأنا أكتب النص بكل أشاله والرواية نص، لذا فلا أعتقد أن كتابتي للرواية انحرافٌ عن مساري في الكتابة، أما «حفلة الموت» فهي حالة انتصار للذاكرة، وللرعب الذي أرهق الروح في براءتها الأولى، وللخرافة التي حفّزت المخيلة الطفلة للتربص والتشرب من حكايات الجدات، ومن قصة (بنت نزوى)، ومن الكثير من المعايشات الغريبة التي بررت لنا بمبررات غير منطقية، إنها تسجيل لذاكرة زمنية في المكان العُماني. ماذا أعطاك الشعر بعد أربعة مجاميع، وكيف وجدت الدخول في تجربة الكتابة الروائية؟ لا أفرق بين ملامح تجربتي الكتابية في الشعر أو الرواية، أما ماذا أعطتني الكتابة إذا شئت؟ فأعتقد أن الكتابة كالحُب، إذا بحثت عنه لتعطيه ستجده، أما إذا بحثت عنه ليعطيك فلن تجده، وأنا وُجدت ضمن فكرة الكتابة بلا تخطيط مني، وأعطيتها من وقتي وعمري وفرحي وحزني الكثير، ولا أنتظر منها أكثر من صقل القلق النبيل والحس المرهف داخلي. انتصار لفكرة التجريب.

رسالتك الدكتوراه كانت حول (المعنى خارج النص)، دراسة في أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب (الشعري والنثري تحديدا).. ماذا عن هذه التجربة؟
الرسالة كانت حالة كتابة مثرية جدا، تناولت فيها النص من زوايا جديدة بالنسبة لي، وطرقت أبوابا معرفية متعددة، وقرأت كتبا ومرجعيات عديدة في تخصص اللسانيات والسيميائيات والبلاغة، ولابد لمثل هذا الجهد أن يشكّل ثقلا معرفيا (نوعا ما)، ومن ناحية أخرى كان الخروج على المكان فرصة للتصادم مع الآخر، التصادم الذي يعني التعايش خارج ثقافة الذاكرة واستبدالها (بشريحة ذاكرة مؤقتة) لفترة زمنية، محاولا كسب شفاعة الأمكنة كي لا تبوح بحنينك، واختبار مراهناتك الذاتية والثقافية للعيش خارج الأطر، وتقبل الآخر، ولذة الاختلاف، وغيرها من تنظيرات كانت تحتاج للمحكّات لتثبت صلاحيتها، كانت تجربة إنسانية لا تخلو من كل ثنائيات الفرح والحزن، والراحة، والألم، وأنا دائما أنتصر لفكرة التجريب.

كيف تقيمين تجربة قصيدة النثر العمانية بصفتك أحد كتابها؟
أعتقد (ولأكن متحيزة، فمن منا لا يتحيّز للأشياء التي ينتمي لها) انها الأكثر حضورا، وبهاءً وجمالا وحيوية وروعة، من كل أشكال النص العُماني المكتوبة شعرا ونثرا، ولن يضاهيها إلا الرواية العُمانية القادمة بدلال.

النص الأبلغ هناك من يرى أن القصة تتقدم على الشعر بخطوات بعيدة.. هل يمكن أن يحل نص أدبي محل آخر؟.. هل تؤمنين بتراجع بعض الأجناس الأدبية في أزمنة من الأزمان كالشعر مثلا.. وهل أنت مع تذويب النصوص وتداخلها؟
أنا أؤمن بالنص الجميل، شعرا كان أو نثرا، قصيدة أو رواية، ولا يمكن أن يحل نص محل نص آخر، ولكن قد يبرز عنه، ويتقدم عليه، كما فعلت قصيدة النثر (في شكلها الحقيقي والجميل)، والرواية على باقي فنون السرد. في الشق الثاني نعم، وهذا ما قصدته بأن هذا عصر النص، فالنص الشعري المكفول بعناية الموسيقى، ومشهدية الجسد المبتهج بالرَّقص في حالة تناغم قصوى، على خشبة مسرح تتخلله عواصف الضوء والتشكيل هو النص الأبلغ. لك تجربة في النشر داخل السلطنة وخارجها.. ماذا عن كلا التجربتين؟.. هل تشعرين أن أعمالك المطبوعة محليا مقروءة للقارئ العماني أكثر من الأعمال المطبوعة عربيا؟.. وماذا حققت لك الطباعة في دور النشر العربية كالمدى والآداب؟ أعتقد جازمة بثراء الطباعة بالخارج، وأهميتها للنص والناص، حتى القارئ المحلي يقرأنا من الخارج بشكل أفضل، ببساطة إنها تجعلك أكثر حضورا، وانتشارا وهذه غاية كل كاتب.

وأيضا لك تجربة في كتابة النقد، وهناك محاولات نقدية لدى البعض نتلمسها من خلال مداخلاتهم في الأمسيات الثقافية، لكنها لم تتشكل كأعمال أدبية إلى جانب الأعمال الأخرى في السَّرد وغيره.. ما سر هذا العزوف إن صح التعبير عن كتابة النقد كعمل إبداعي؟
المداخلات العفوية في خاتمة أي نشاط أو فعالية ليست نقدا، فهي مجرد حالة انفعال مع النص، ولاشك أنك تعرف جيدا أن النقد يحتاج أكثر من حالة انفعال، فهو يحتاج معرفة بالأدوات والمنهج، ويحتاج الى اشتغال حقيقي على النص، وقراءة واعية له. وفي عُمان ما زال النقد رهين الدرس الجامعي، فلدينا في مكتبة الجامعة كتابات نقدية رائعة، لكن عدم نشر هذه الأعمال هو العائق بينها وبين المتلقي الداخلي والخارجي، كما أن بعض المؤسسات الثقافية بالسلطنة وأقصد المنتدى الأدبي تحديدا، تصدر العديد من الإصدارات لمحاضرات وقراءات نقدية متميزة، ولكنها للأسف حبيسة مكتبته، وربما لو نشرت بشكل أوسع لكنّا بخير فعلا. إن ابتعاد النقاد من أبناء البلد، أو من العاملين فيه عن متابعة الأعمال الإبداعية، والكتابة حولها، إلا بدعوة رسمية من مؤسسة ثقافية، أسهم في إيجاد هذه الفجوة بين الإبداع العماني والنقد. وعلينا البدء في إيلاء النقد عناية موازية للنص الإبداعي، باستكتاب النقاد، أو بتوجيه بعض المهتمين للكتابة النقدية عن الإصدارات والكتاب العمانيين، ونشرها في منابرنا الثقافية مثل مجلة نزوى، والملاحق والصفحات الثقافية التي تشكل شرفة مضيئة للأدب العُماني، وتسهم في نشره.

أخيرا ماذا يشغلك الآن بعد صدور روايتك/ حفلة الموت؟
الكتابة شغلتني وتشغلني دائما، وأبدا لديَّ مشاريع أقصي بها عتمة الوجود، وأختبر بها محنة الكتابة، وأتمنى أن أقدم من خلالها شيئا مختلفا.

تعليقات