التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

مراود الحلكة - فاطمة الشيدي- 2008

فاطمة الشيدي، مراود الحلكة، مجموعة شعرية، مطبوعات وزارة التراث والثقافة، 2008
لوحة الغلاف للفنانة التشكيلية العمانية:سميرة اليعقوبي

"فظيع هو الموت عطشا في البحر"
"أحب فقط ما كتبه الإنسان بدمه"

"نيتشة"


نذر الغياب

تيـــه

إذن..
ها قد ودعتني المرايا
ها أموت بلا أجنحة
سكن البحر فضول ملامحيّ الحادة
سكنتني سحنته المحلاّة بالملح
استماتت بين فجوة عينيّ الفصول
ها أموت بلا قارب يشد خصري على نخلة قرب الموانئ
يستبيح مني العويل
ها أجئ بعد اللهاث بأغنية
وبغابة من حنين
فكيف أموت ؟!
*
كان للشعر في ردهات حلمي مزامير مبعثرة النشيج
قوس حليب يسامر فرحة الاحتمال
ويغصّ عند الساقية بجملة من سراب النحيب
وكنت النخلة التي تحاذيّ البحر
لا طاقة لي الآن على سمرة المنفى
فقد غدوت أكثر امتدادا في الحلم
*
ها أنا غافة تورق بين لونين
الموت يسبقني إليّ
فراشات فرح ميّت تستيقظ بين أضلعي صباح العيد
والطفولة المتخثرة تتناثر من جرحيّ المفتوح
*
كانت النجوم تتعثر في أثوابها الزهرية الطويلة حين تنادمني
ورائحة البخور تتضوع بها رئتاي
وكانت قافلة من العشق والشعر تفتح صدرها في جبيني
وكان الكثير هناك
مقاعد كثيرة محجوزة للزائرين
كنت أجلس بمحاذاة الجغرافيا
امرأة تدخن سيجارة التاريخ
فيكح مقهقها على نصوصها الممسوسة بالهذيان
كان بيني وبين التاريخ ارتباكة جفن
*
كان هو عاشقا يقرفص خارج أُطر الكلام
وكنت طفلة تتحسس قلبها المنزوع من فرو الياسمين
فأين أنا الآن ؟
أي شمعة تصلح قداسا للخطيئة؟
أي نافذة ستفتح أزرار قميصها للقادم مني ؟؟
وأي باب سيلقمني مزلاجه كي لا أبوح؟
*
دبقة بالوهم ألملم أطراف ثوب السندباد
وأقصي أجنحتي الممدودة نحو ثقب آخر
لا وجه له في آخر حلم بيننا
كان له أصابع فقط
وكان لي لسان
و...
*
سأثرثر حتى تنتهي الحكايات من ألسنة الرواة
وحين يلملم الغياب ثيابه من دمي
سأبكي
حتى يغفر الصمت لأصابعي الملوحة اشمئزازها من المسافة
وسأنداح كالبؤرة في لجج الفراغ
*
إذن..
سأجفف قلبي حتى يشفى تماما من عفونة المطر
وسأهذي حتى يعترف بأني ثرثارة لاتجيد سوى الهذيان
سأرتق المسافات بيني وبيني بقبلة
وأعطّر المدى بالسهاد
وحين ينضب الحلم سأشرب الكرى
وأستلّ الصدى من جنون القبيلة
ومن صوت أبي المزيّن بالصلوات
من جبينه الخمريّ
ومني
وسأعلن لليل أن النهار تقدّم مكتظا بعرق السائحين
وبأحلام اليقظة
وبحزن سطّر أحلامه على لهاث المرايا
وعلى بوابات الدخول نحو المستحيل
*
لا فرق بين مستنقعٍ ومستنقع
سوى الرائحة
ولا فرق بيني وبين المساء
سوى كمية القهوة المحتساة
و شراشف الرحيل المؤجّل
وبحة في الوريد
*
الآن
سأخلع قفّاز المفازات بوجه المطر
وأعقد هدنة بيني وبين السماء
سأدلف لحزني العتيق بكلي
قفزةً واحدة
كي لا يخاف
وسأغلق صدري عليه في عناقٍ حميم
ولن أتبرم حين سيبدأ في الصراخ
فبعد موتي سيهدأ
حين يفقدني دفعة واحدة

أكتوبر 2004



ردى


تخثّر الوقت
والصوت قُدّ من سجدته الأخيرة
الليل يدلف بكائناته ناقصة
ليواري موتاه
قبر مفتوح يناشد الحياة فسحــة من الوقت
وهجعة سكرى تنغرز في شفة الليل كدبوس حارق
الشفة تثمر أغنية
والليل يتعرى على بياض الصبح
واللغة الميّتة على صدره تنزف آخر مايمكن أن يقال
والحزن بإعياء مرتبك يستعـيد خصوبة الرؤيا
ويصرخ في كائــنات الرعب الخرافية
أيها الذاهبون لا موت يصلح للبقاء
فاذهبـــــوا
*
الموت رائحة عتيقة ممزوجة بلذة تجذب الفراش للحقول اليابسة
حلية باهتة للشموس التي تفرك أقدام الحياة بسيرة الذبــول
وتزرع التفاح على شرفاتها لينمو غريبا بلا رائحة
الموتُ خصلة هاربة من َشعر شهرزاد الحكـــاية
قبعة الإخفاء لطفلة تمارس لعبة الظهور المقيت
فهيّا راودوا الموت عن طفلته
و ا..ذ..هـ..ب..و..ا
*
تتدافع الجهات نحو بؤرة العتمة
تضيـ ...........ـق
ت
ض
ي
ق
مدى تنغرز في الأقاصي بألم يستر اللّذة
تتوالد كائنات الرماد في الأعشاش الفارغة من لقالقها
العنقاء تستلف قبعة الموت الأخيرة من يد بيضاء كالبـهاق
تبارك القديسين الذين عبروا المياه المالحة تاركين حزنا صالحا للبكاء
ت
م
و
ت
*
موت غير مبجل وغير أنيق يعبر مسامات الحقيقة التي لم تعدْ تغري بالثبات
لاجدل "الأشياء المغادرة لا طاقةَ لها على تذوق طعم الحنين"
و موجع طعم الحنين
*
الروح تعبر الخوف نحو الفراغ المدهش
الموت يدس ملحه في المساحات الخافتة الضوء
الفراغ يدخّن غليون الوحشة في قبو الروح المتقرّحة
يفرد أشلاءه لوهج الحزن
يتمدد مشتعلا كغابة من النيون
*
راحـــ......ــوا
تركوا الشوق منضودا على رفوف تستلف روائحها من رحمة الرب الذي لم يعدْ يأبه، فقد خلّف لهم شفاعة لم تباركها السماوات، وقبرا واسعا في صدرِ مقبرة ضيقة
ذهبـ..........ـوا
تــركوا صرير الأحذية على وجه المسافة
بذروا الفراغ في بساتين الحياة
زرعوا نصلاً حاد الوحشة في بهو الروح
يتمشى فيها الهوينى بوحشية
يترنح بفتنة على أرصفتها المتشققة من شدة اللهفة
*
كيف لكل هذا الموت أن يلملم ألسنةَ النيران من محابر الوقت؟!
أي قصائد سينجبها ماؤه المخضل بالحزن
أي آه سيقامر بها الآه كي تهدّئ مجاهل الوجعِ
أي حزن يلوّح الآن بمسباحه كدرويش عارف
يوشوش الطرقات ويهلوس .. (كانـ ـ ـ وا)
أي موت محترف الغزل يمارس دفن الأسرار في قبلة طويلة
يشدّ الأشياء إليه في عناق محموم
ويهذي..
متى يبدأ الموت ؟
وكيف ينتهي ؟
ولا مساحات انتظار بين البداية والنهاية
*
فقط
الفناء حرفة الأرواح الغافية من زمن النبل الجميل
والأجنحة تنبت حلم الطيران
و كل شيء يغادر بصمت
وفقط
الأشجار تموت بشكل مختلف
والهواء لا يموت
والأمنيات الخفيفة والأصابع المتساقطة تتقن فن إعادة صياغة الهواء حين يتخثر
والبياض معلولا يصدّر السم في ثياب الأرواح القاتمة
يتمدد على الحدقات والبؤر
*
البياض امتداد الرؤيا
فتنة البذخ المسافر في بؤبؤ السكينة ومحاجر الصمت
البكــــاء بياض
المـــــوت بياض
الحنيــــنُ بياض
*
يباب يسوّي بين البياض وبين لحظةِ الغفران الـ مشكوك في قدرتِها العـليّة
الجزع انهيـــار الروح لحظة الخروج الأخير
الموتى يخطّون كلماتهم الأخيرة في دفاترِ البوح
والدمع يغسل مرايا الغيب المتشظّية!
*
سرب من الهتافات العقيمة في حناجر الموتى
الأشياء التي كبرت بحجم سماء في آخر عهد لها بالشوق
كانت شاهدة العار
الصدور الملتحفة بالجزع هيّأت للبحّار المجنون بالزرقة
مزمارا مشجوج الصوت
والحلم استيقظ على فجيعة انتظار تتلذذ بلعق لعاب الفوضى من صدر الأيّام الهاربة
*
أي بلاغة تفندها أضابير الوله الآن ؟؟
أي حزن أعمى يقود السفينة ، والخرقة السوداء لا تصلح شراعا لرحلة لا تجئ؟؟
ولا وقت كي تستعيد السلحفاة بقايا بكاء أخير، أو فصلا من سيرةِ الرغبة الحارقة
مسقط / إبريل 2005


بقع على جسد الليل

اللهفة تقامر أيامي بحزن مجذوذ الأصبع
غابات الانكسار تزحف على بطن الليل
تصلّي الرغبة
تشْرِع نوافذ العمر على مالا يأتي
موتٌ مقدس
خطواتٌ مباركة الفحيح
تزرع أعشاب الفتنة بين فجوات الصوت المبحوح
ها أنا أتقدم بكلي
لامعة كخنجر مصقول
كجزع مغلّف بالنحيب
يوقد المساءات المظلمة الأضلع
يقودني نحو فجيعة الانتظار
تتقدم نحوي البلاد والبرد
جحوظ الغدِ يطرزُ مآتمَ القادمين من الأنبياء
وبلا مزاليج محكمة ترتق ثقب القادم
و بلا كهوف قاتمة تصلح للصلاة
أتحرك نحو دفء الخسارات
أتوسد الغياب الآثم
ولا أجزع
أتحرق كروح عرجاء تتدحرج بلا موت جميل يغازل منها اليتم
أدلف عارية البكاء
محمَّلة بأطنان من الرهبة
ومن دهشة الحزن
ومن شدو العارفين
*
أيها القاتمون كوجه العتمة
رويدا
فكلي بكلي يئن تحت ولع الانتظار
شهقة عارية ألتحم ببرق الحنين
أكشف عن ندبة تحت إبط السماءِ
وأبكي
أرمي شباك العزيمة
في بحيرات العدم
وأبكي
أعبث بي
بدمي المخضّل بنتوء الحقيقة
برأسي المثقل بميزان الحجارة
وأبكي
أبكي مزامير اللهفة التي تخيط صدارتها من دم غربان الشؤم في سدرة عمري
جنوني الذي يقبّل رؤوس المسافات الناتئة الشهوة
و يدغدغ عرائس الموج
يفترش الدروب التي غافلت ظلها
واستكانت للقافلة
أبكي حزني الذي يمشي عاري الخطوة
يشتهي عرائش الجن
جسدي المقضوم الريح من مقصلة خفية
انتحاب زهور الفتنة تحت صارية اللغة الخرساء
و..
أجاهر الدمى بدمعتي ناقصة
وبضحكتي ناقصة
و أخلع صوتي في وجه الريح
أتقدم ببعضي فقط
حكاية للكائنات الناقصة
بأمنية تخط شواهد الأحياء
ليلة رأس السنة
بلا رأس أتقدم!!
الحزن يعرّش على شرفات الدم في لغتي المخضّلة بالفجيعة المسنونة الوجه
ينشر شرايينه على أوردتها الجافة
موت خفيف الروح يتنزَه خارج المقبرة
ثقيل المزاح
يتحرّش بي
ويترك ربع خطوه على موتاي
وأنا بلا وجه أشرب الأقنعة
وبلا صدى يرتد عند البكاء
أبكي
*
الربيع تآكل من فرط البهاء
وأنا كلّي بكلّي لازلت أغمز للموت "أيها الـــــ" تعال
أجهّز صوتي للغياب
أطعم موتايّ آخر الكلام الذي لن يقال
موتاي خفيفون كالمعجزات
ولا يشبعون
أدسُ قمح الحنين في كفوفهم زادا للقادم مني
وأنتظر
الموت لم يجئ بعد
وقد لا يجيء
*
أيها الميتون كوجهي
رويدا
سأمشّط خارطة الحكايات القديمة بكلي
بحثًا عن لثغة (بيذام)
تأخذني معها إلى دروب الحارات القديمة
حيث الموت يغادره الطيبون
وعن سدرة يعشعش بين أغصانها صوت جدي الحنون
وتحت أفيائها نربي الموالد للملائكة والأولياء
ونعدُّ طقوس النذور القديمة
سأرسم لوحات تشبه مالا يتشبه
وارتق فجوة أذني بالعويل
رويدا
فقد برَّحني هذا الانتظار طويلاً
فها أغصّ بجملة كاملة
وأشتهي حَجرا أقايض به شهوة الموت
وأغري بجفوته البكاء
*
رويدا سأخلع نعليّ
فوجوهي كثيرة لا تدفئ شبق المرايا
ولا تتقن طمر الدوار
سأغترف الحزن من بؤَر الحنين
لأظمأ
سأقايض الفرح بجيب مثقوب
تتساقط أعناق جواريه
كلما أوغل العمر
سأعمّد الطفولة العائمة في يدي
بشيءٍ من الخبث
كي لا تلهو بمزامير العيد
ولتتصيّر فقاعات للمجهول
تعلو .. تعلو...
*
أيها الخائنون كموتي:
تخونني ذاكرة الصيف
وأطفال الرعب جثثٌ تطفو بين يدي
ومذ كنت قابلةً عند باب الليل
وكل ولاداتي عسر
تغمزُني كائنات البرد الملعون
أتعثر بنواياها السوداء
وأقف شائخة برائحة الورْس في مدِّ اللحظات
أشخب حنيني عطرا
وأواسي الكفوف الفارغة بكلي
بالله
وبـــ ...........
*
يا الله
إنهم يذيبون الملح في البحر
سيغيرون خارطة الطعم
فمن يدس الشمس لتغير منسوب الود المحتجز
وراء سدود الليل المفلس إلا من رائحة شبق
ومن سيشذّب الوجع الذي ينمو بلا وجل
وبلا سيقان تسابق خصلات الليل المتهدلة على كتف الصبح الأعشى
سادا أذنيه في وجه نداءات الكون
(هذي صحراء الله فلن تعشب
ولن تشبع من كل هتافات الرؤيا الملعونة
فدعوها، ودعوها فلعل الفتنة مأمورة)
ومن سيضم آلهة الخوف المنزوع الرقعة من جسد العاشق
ومن
ومن
و
م
ن
*
متى يأتي ؟؟
هذا الموت الملعون
الذي ما فتئ يسيل لعابا على شفتيّ؟؟
أخبروه أني مذ كنت أتحرّق للقيا
متى سيأكل من حزني بقايا جسدي ؟؟
متى سيغلق كل ياقات الروح
وأردية الليل؟؟
عليه
متى كالغبش البارد يلعقني
يطرّي أوردتي بلذة عشق
و يحين العرس ؟؟
متى ... ؟؟
متى يأتي ليبدد انتظاراتي الموحشة كآلهة تقطع خيوط الرغبات
وتحمي سدة أوهامي بالصمت المورق قبابا خضراء
على أبواب العمر ؟؟
لا وقت لدي
لحساب الدقات في مساءات الشهيق الحاد الصرخات من أسفل كل شريان حتى آخر شعرة
ولا وقت لتفصيل الأحلام بمقاسات ناقصة فكل دروب الموت سواء
وكل خرائط عمري ناقصة اللهفة
متى سيدوّن تفاصيل العشق الخرساء على جسدي : يلملم من عيني حفيف الشوقِ الأزرق، ويوزع بين يديّ كاسات اللهفة، و يزرع
شفتاهُ على سرّة بهجتيّ الوحشية، ويرقى نحوي أفنان الطهر
متى ................؟؟
متى سيقطع كل الأيدي التي تتمرأى في وجهي، تحفر صدري بأظافرِها النحاسية، تنزع رموشي في خفّة طائر، وتترك على جلدي رسائل حروقٍ تترا .. لا يمحيها الفرح الساذج أو حتى العرس؟!
وكلُ الرؤوس التي تقضم تفاحات البهجة في أول إيناع وتتدلي، ترسل سهام الكدر الملعون لتخترق حدود الروح، وتشرب نخب الأدمع بلذة صوفي؟!
متى ........؟؟
متى سيتخطَّفني الفارس على حصان أبيض
لأنام بين يديه
ولا أحلم أبدا ؟؟
لازلت أراه يسابق رائحة الموتى
يهزأ بجفاف الأجساد
بقامة فارعة الفرح يتصيّد لي عذارى الجن
يؤرّخ تاريخ الليل المتولّه من شبق الحزن
ويرمي حجر النرد في باحات الكلمات
يكشف عن سيقان الرغبة
في تواريخ المهد واللحد
والعمر الفارغ
إلا من موت
ويهنأ بي

مسقط / يناير 2005


حشرجة المسافة

ها أجيء
صرخة تفتت عضد السماء
توهن كيد الأرض
ترشق المسافات بحمى الوهن
تلدغ الوقت
تسوى الغياب على نيران القلق
تذرو بذور الشك في عين الفضيلة
أطلب الموت إليّ كي نسّوي حديثا قديما بيني وبيْنه
أطلّ مني عليّ
أرى فيما يرى غُفل المواجع
كائنات تزدحم لتؤدي رقصة الموت
ضجيجا يعلّم الجهات كيف تتطاير
فزعا يشقّ أكفانه عن طفلة تحترق
أياد تلّوح لجنين يتشكّل في حفنة من تراب اللغة
و بأصابع فاغرة دمها أخيط روحي إلى نصفها
أستدر عطف المساءات
أسْند ظهري لقباب المدن وعلاماتها الفارقة
أذرف السلام على أمنية تتكوّن في رحم الخلق بذرة من عويل
أجيء مزمارا بفتحات أضيق من لغة
أعلّق تميمة على رقبة الغيب
أفتح الأفق شرفة لأطلّ منها على أيامي
أعلّقك على صدر مغلّف بالفجيعة لحن انتظار نشاز صابئ المعنى
فكل أغنياتي عجائز من ردم الهواء
منسلاتٍ من مرابع طرب قديم
تستحسن الندب حين يبدأ الغناء
توقظ أشباحها
تدق طبول الهزائم
كل أغنياتي فارغة الرؤوس إلا من رنين بكاء
*
جسدي قافية سكرى
وصوتى روي
وكل المعاني صاخبة الضجيج
وأبدا أضيف إلى صلواتي سجدة للخرافة
وأعدّ طقوس الاحتضار الأخير
أغزل من ثنيّات وجدي حلما أعورَ هرقت المساءات بصائره
آمنت
أمنت
كلُ شيء عابرٌ
لا يبقَ غير التفاصيل
أفْقأ عيون الطيور كي لا تراني السماء
أغمض أجفان البروق بعصابة سوداء
أتصيّر أجراسا تنعى الحكاية
أنا طاقة العبث
مساحة البوح
المرآة... اللغة
ضيّعت وجهي في خرائط المعنى
فتهت
وجهي غبار المسافات ووجدي مطار
حين فاجأني الدوار ذات مساء عرفت بأني حبلى خارج رحم
الحقيقة
وأنى سألد الوهم يوما برأسين وبلا جثة
*
إذن
سأدفن موتايّ في قبور الفراغ
وأستاف من الوقت حتى أجوع
وسأدفن جثتي في غياهب صوتكَ
أحنّط وجهكَ على باب القيامة
سأشّد التعاويذ من شعرها
أهدر المشهد المطمئِّن
أفتح النوافذ على ملح البكاء
هاك رملي اكتبْ به قصيدتكَ الأخيرة
لأمرأتكَ الأخيرة
أو اكتبْ به ماتيْسر من انتظاراتي
مستنقع الغبْن
وخُطواتي
الفصل الأخير من النازلة
وأنا سأدلف عبر بحور السكينة /ألوّح لطفيك (هيت....)
وأبكى دروب المشيئة التي غادرتني
وسأخدع الطين بأناملي
لأشكّل آثارك طفلا من الوهم يلعَق نافذتي
وأدنو من قوافل الأسرار أساءلها عن موتى على يديْك
وأنبش قبور الضوء لأبحث عنْك
و.............
سأوقف حزني عليك
أفتح بوابات جرحي للجحيم الـ يحمل وردة عند بابي
وأفسح للنصل الأخير طريقاً كي يرى قلبي
أحنِّى روحيّ بخضاب الهزائم
أشنق وجهي الأخير
أعلق أقنعته على خيوط الفجر
لأنك جئت أخيراً ..
بلا موعد كالرحيلِ

فبراير 2005

هكذا يبدأ الكلام !

كن بخير أيها الليل
هاهي كائناتك تقبل مشمرة عن أنساغ الأحلام وعن عورات الوقت
هاهي مجامر الكلام تشعل مساحاتها الفضية للرواة
سيكتبون الرائحة ويكبتون الحنين
وقد يغرقون في حفيف اللون المطّعم بالشهوات
الساعات المتناومة تهرّب ماتبقى من العشق في صدور العشّاق إلى صافرة قطار
تستبدل الدمع بأوجاع صدئة
تدندن حين تذرع أحداق العتمة "نضب الضوء أيها المصباح"
الرقاد يقايض جسد الرمل بفحيح عقرب كسول تعثّر بين الثانية عشرة والواحدة
أغنيات السماء لاتصل
مسفوحة الظل تتعثر بالنجمات السهرانة على ناصية الحلم
تفيض في عبورها المتلّون على الحلم
تنبّه الغافلين بالطّل
أفيقوا !!
وتسكب قهوتها المحلاة بالشعْر
وتدنو
الربابنة والسحرة يقهقهون في ليل الحيرة
حالمين بأنثى تمسد أجسادهم وتفيض على الحس برعشة
يشربون نخب دموع البحر الزرقاء وحواريه اللائي يظهْرن مع منتصف الشوقِ
الشدو اللعين يرفل في السطر الأخير من البهجة
يسيل الغرام على صدغ الجدار المتداعي
يضع الليل في عينيه عودا وشيئا من الملح
والخرافة عجوز عمياء تضحك مستندة على نواجذها الخشبية
والشبق كائن مغزول من الحنين للماء
*
عمْ مساء أيّها الحزن
اللذة مشنوقة على قارعة المساءات المبللة النهاية
البهجة معنى محنى ببيت شعر جاهلي وكأس نبيذ
بنصف التفاتة ونصف حنين
شنق الحادي العجوز لهفة المرافئ خلفه
و كاد يغادر
وبما تبقى من فيض الظمأ
شدّ إلى النخلة حنين رماله المتدثرة بالقيظ
وقيّضها للاشتعال
وراح يغني
(اليوم خمر.. وغدا خمر)
*
سلام أنيق أيها البحر
جسدك الأزرق أرجوحة يتيمة للغيم
قافية حبلى بالغناء المسال
والخلخال المشرئب نحو الشمس محض رنين
همس الموج يرضّع حزنك واقفا
ويجْرح الصمت بالانتظار
ليغذّي لهاث المشيئة
بما تناثرَ من غيٍ
ويهيأ للحقيقة مناديل السراب
كيّما تلّوح
وكيّما تركع عند جنونه المشتهى
" نجمة تطفر بالضوء"
يسْرج الظل بالظل
ويهب الروح مفاتيح الارتواء
لتشهق بملء الحنين
"أيها الراعف كبحة ناي "
أطلّ عليّ
*
أيها الحلم الرافل في قيوده الفستقية
سألتك
بكلِ غنّة تذرع صوتك عند الحنين
وبكل لهفة تأكل أطراف الليل حين تتورد روحك جمرا من جوى
بـ بكل رواة الرمل والشعر والأنبياء
لاتجلجل بضحكتك البرونزية
كي لا تغيّر ملامح الصحراء
وكي لا تمنح الليل لونك الكستنائي
ولاتفرد جناحيْك لاقتناص الليل كنسر جريح
كي لاتغري جروحي بشهوة اللمس
ولا تبدأ في ترتيل البكاء
كي لا ترمم الذاكرة التي مذ كانت تصفر فيها الريح
أيها الظل المنكسر على عتمة الليل كجثة ضمّها الموت إليه بقوة
أيها المنشدّه للقادم كرب يعرف متى يتأجج العشق
فينسحب وفيرا
لا تلثم بقايا اللغة المتسربة من يدي
والمترسبة في كأسك الأخير
ولا تلعبْ معي لعبة " الغميضة"
لأنك تدرك كم أحتفى بالغياب
ولا تراكم بياض الصبح على عتبة ليلي
كي لا تتغير ألوان قوس قزح
أيها العذب كموال مسلول الخصر
لاتشْتد في آهاتك الدافئة
كي لا تغري البحر بالخطو للتيه

(كوالمبور) يوليو 2005


احتمالات جائزة حتما
ربما
وبعد أن تتصدع أوردتك من شدة الوهن
وتتآكل كبدك من الحزن
ترتقي مدارج البهاء وحيدا وحافلا بالأمنيات
محفوفا بالزغاريد المباركة
ربما حينها سيقف التاريخ على مشارف صوتك مأخوذا بالحنين وبالدماء
وربما
تتحول إلى حائط منسيّ
لا يتبرك به أحد
أو تقع على أوراق متناثرة في مستنقعك الزمني لتكون قصيدة عمياء
*
ربما
ستحاول أن تجمع بخورك المسافر في الأبد
وتعزف على قيثارتك لحن الغيب لتبدأ من جديد بطريقة أخْرى
ربما
ستشرب قهوة محلاة بماء الورد والزعفران
وأنت تغيب في زحام الحجارة

والوجوه المارقة على عجل
لتتعلم كيف تروي ذاتك جيدا من بلاهة النسيان
لتنبت انحناءاتك المورقة شقوقًا
وشيئا من الريحان واللوتس
*
ربما
في آخر الحكاية ستتحول كائنا حجريا، له تضاريس حادة قادرة على القطع
وربما ستكون أكثر رفعة كالجبال
وربما وبما تبقى منك ستشرع نواجِذك في وجه الريح
وستتماثل للشمس حنينا ممزوج الرائحة
أو ستتقدم بكلك وجبة لحلم يمصمص شفاه الموتى بلذة
*
ربما
ستكون مدا من الدهشة يغزل روائح الأحياء المتناثرة في الحارات والزقاق، بانشداه قادر على لملمة طاقات الوله المبكّر من عيون الجوعى والشحاذين
وربما
ستتحول حنجرة سكنها الغياب وبحار قديم، ليعلو فيها صدى اليامال
وتزغرد اللغة المحناة بالفرح على حبالها المتهدلة
*
ربما
ستقرر فجأة أن تورق كآخر سدرة خضراء عند مفترق العمر الضال
أو كجرح شهي يزداد توردا كلما لامسته يد عاشق
وربما ستقرر أن تكون من الموتى المعلقين من أرواحهم كالمعلقات على أستار الكعبة
أو من الحواة الذين يولدون مع الفجر من شِق كتاب أخرس
*
ربما
ستأخذ ما تبقى منك من الزوايا التي لا تخيط براقع العتمة
ومن أكفان السحاب الأبيض وهي تغازل السماء بحنق الرعد
ومن أكوام النجوم المتراصة المترامية الغصة
لتولد مرةً أخرى أكثر بياضا أو كما ينبغي أن تكون
*
ربما
ستصبح يوما جافا كالبرد الذي يداعب أفنان الغرق المستلقي في عين نهر متجمد، عند أطراف بلدة صغيرة مهجورة، حين يتذكر طعم الملح والصواري التي تتزين بحلى الإشراق
وربما
ستكون حارقا كالشمس التي تصهر قوافل الرقاد في عيون الأمهات الرمدى
حين الثكل يشد الياقة الهاربة ويهب لهنّ خبز الحنين المتعفّن
*
ربما
ستكون حادا كعاشقٍ يسرّح شعر القوافل على ناصية الصحاري
وينحسر كشاطئ جفّ بحره
حين يتذكر سيدته المعلقة بين يديّ قرصان ثري
وربما
ستكون مجرد كائن مثقوب بثقب أوسع من أن يرى
وهو لا يملك عينين قادرتين على تخزين كائن آخر في أوراقه الحبلى بالشك
كائن يتمنى فقط أن يغرقه في دموعه
معْ أنه لمْ يتعلم يوما كيف يتذوق صدى ضحكته الغزيرة
ربما..
وربما..

الأردن/إبريل 200



فواصل الوهم
مقاطع من سيرة امرأة لا تشْبه إلا الماء

هكذا ..
هكذا..
مستوية على وجعي
أعيد تسمية الأشياء في ذاكرة الرمل
أرتّب حفنة الهواء في رئتيّ نفساً نفسًا
وحيثما أنا أكون
*
ملتوية كلحن الناي الحجري في مسام الصحراء
منشطرة كشمس في ظهيرة كسوف
ولا أحد
لا أحد
ينسى يديه على حافة الغربة
أو شفتيْه بين يديّ لغة غير مترجمة
والطريق طويل
فمتى تنقصف هذه الغصون الباهتة
والأوراق الصغيرة؟
*
منذ زمن والأقنعة تتاجر بي
في مزادات الليل الأبله
والحرقة تحتكرني دينارا في حصالات اليتْم
وعمياء هذه اللغة التي تضع
كمامات الحرف على صدري
منفتحة كالحلم على كل الاحتمالات
إلا على شيء
يشبه سيرة الماء في ساقية الغبش
*
لجة تدلك قدميّ الفجر
تغسل جبته الخضراء
راهب لملم جدائل السمر من آفاق الحكاية
فاستفاق الظل
*
يوم مولدي
كان مختلفا
المفازات تسلّقت الكون
نشّقتْه عطر الحرْقة
بخّرتْ الوجوه السمراء بتعاويذ العطارين
وأسندتْ أحلامهم الجرباء
بأرجل الدود الوهنة
*
حزن موغل في سماوات البهجة
أعذاق تتدلى من رحم الفجر
تهيأَ الرمل للإبحارِ الأسمى
في بوتقة الوجع الممتزج الرغبة
في صهاريج العطر المسفوح
*
ورشة عمل بكل فواصل حرقتها في
رأسي
الروح كجذوع النخل
مصلوبة فوق صواري البرزخ
تتهدل كل الأفنان صلاة
أسراب من النمل الأبيض
تسافر في كتب الرحّالة
تتقمص صوت الحادي
في الرحلة الممتدة في كتب التاريخ
ربان بساق واحدة
يغازل ربة البحر
يشتهي لثم زرقتها المغرية
يرسل بُنيّات الحور
كي ترتق جوارب اللثغة الصفراء
وتضفر آهات الزبد عند بحر صحار
*
ينسبني البحر إليه
ابنته
زوجته
أو ابنة خالته الصحراء
التي عشقتْه من زمن الخلق
كي تقاوم مد الحرقة
وتغسل شعر الرمل عند ضفافه
بقسوة جلاد
*
هكذا..
هكذا..
أعصر ليمونة العمر قطرة قطرة
أنزع ريش الأيام
عن صدر الغفلة في بطن الحوت
أرمم وجه الصنم الأوحد في عمري
حين يشتهي أن يقضم قطعة خبز
وهو الأدرد
غلالته السوداء
أنزعها
أُعرّي بصره المرتد
أفضحه
أبادلها بعباءة أمي
لا وقت لديْنا
فلنكتب...
" يكتب آخر سطر في الحفلة "
*
مصطنعة الضجة أعبر الدرب
حلقات العمر فارغة
فارهة كالفساد
أتبختر
مشدودة
كوتر في جسد اللحظات
أحدق في جبْهة العمر المعصوبة
تتلاشي الزرقة
نسي البحر أصابعه تتخلل شعر الرمل
نسي قُبْلته على حافة الموجه
سافر
أسي القمر من لوعة عمره
*
أقضم أظافر الوجد بهذيان
امرأة الحلم
كان قدْ سماني
تركت عمري في جبته المصْطنعة
وحفرت لي عمرا آخرا في كبد الظلمات
*
يجب أن نآخي ظلال الأشياء
ونسْند العمر السافر للفزعة
كي نكمل كذبته البيضاء
ونداري شموع العرافين
والسحرة
و(المغايبة) في جبال الحجر الشرقي
ونتقمص دور الجمل الأجرّب في الصحراء
*
قال الشيخ ابن أبيه :
من عاقر خمرة دهشته ماتْ
.................
...................
لكن ثمة من يقضي العمر يجوب الفلوات
يوزع كاسات الليل
ينادم عرافي الكلمة
يسوس الوجع الممتد
من الضرس إلى الضرس
يسوّر أحزانه
كي يدرأ
شغابات الفرح الأرعن
ثمة سيوف لاتقوى على مجابهة الترس
وثمة مجد منزوع من ريش النسر
المُهدى قفصًا فارهًا
في حديقة حيوان
ما الحل ...؟
*
في مكان ما...
أعلن للبائعة الحسناء
أن كلتا يديّ
ثمن بخس لريالات السحت الملعون
وأن وجهي المدسوس خلف الأصباغ
منزوع السحنة من متاريس الأجداد
وأني امرأة المفازات حتى آخر حرقة
*
في لحظات اليأس
أتحول منجلاً
أجز أعناق الغابات
كي أمنعها من مطاولة حزني
وأقصّ شعر الفتيات انتقاما لذيول شعري القصيرة
وأبكي كثيرا لأضاهي روائح المطر

يناير 2003




زنبق الماء ..إثم اليباس

                                  إلى: الماغوط يوم رحيله

هكذا رحلتَ ..
بكل سكينة الأولياء والأطفال
لم تك عاشقا
فرغتَ للتو من مهمتك الجميلة
أقرضتَ اللغات كل بهاء الطفولة
وأطواق الياسمين
ورحلتَ
كآخرِ المسافرين على جنْح رخ عتيق نحو مدائن الشعر
عانقتَ الموت بالدفء والحميمية التي تستحق
وكنتَ قد أوقدتَ كل شموع اليقين ساخرا
وهززت المساءات من أكتافها لتنبه طاقاتها الغفل
واستويتَ
هادنتَ "نيسان" شهر الأكاذيب والحب
لينشرَ موتك مع تفتح وردة
أو على جناح فراشة خرجت للتو من الشرنقة
أشهرتَ في وجهه غيوم الوجد الظامئ
وحنيّت الغابات المدلهمة في دمه بنكتة خارجة
فضحك وغبت
انسللت من دم اللغات ومن مساحات العبث
هادئا كمسيح
ولم تأبه إلا لدخان عشيقتك الخرساء
وكآخر سلالات الأحياء والشعراء والموتى
عانقت الشعرَ لتدلل حرائق الشوق في رئتيك
أبحرت على نقطة سقطتْ من أحد نصوصك
نحو فجر رسمته عند غياب القمر
خفيفًا رحلتَ، كمجرد ضحكة رائقة
تحسستَ جلدك، كان ثمة أطفال، وأوطان وزهور ونساء
غرغرتَ بما تبقى من قصيدتك الأخيرة
وصمتَ
*
اللغة خلعتْ أصابعها صلاة عند جثمانك
تنهدتْ المعاني الحيرى على بابِك
فمن سيتكفلُ بعد بابتكاراتها الموجعة؟
ومن سيدغدغ الأشياء الهشة والعفوية لتتشكل نصًا يعجب الزراع؟
ومن سيكور الحروف بعذوبة طفل ينفخ بالونة ويهبها رشوة للسماء
كي تصنع له أمه قطعة حلوى كبيرة
أو كي ينجو من عقاب مدرّس القواعد ..؟
ومن سيعتّق الكلمات لتغدو مادة صالحة لصوغ عبارة غير صالحة لخائن الخيانة بين يديّ وطن لا صلح إلا أن يكون نخبا؟
ومن سيزرع الحشائش عند مستوى الأفق
ويجعل بين السماء والأرض جسرا من الغيم والياسمين ؟
ومن سيكْمل ما تبقى من كلام لا يزال يتعلّم كيف يحبو عند مدارج الصمت
ليمشي إليك طريَّا لايقال؟
ومن سينقذ اللغات التي ستغرق في حليب المتاهات
حين تغصّ بالحشرجة؟
ومن سيقايض الرسالات على فوضى المعاني حين تتبخر بالحنين وتقصي روائح الأشياء إلى مبتداك؟
ومن سيقاضي العصافير على أغنية استباحت دماء الشعر عند المساءِ بين يديك؟
ومن سيغلق أبواب الكلام المنفتحة على بهاء العبارة
وهي تنتظر النقطة والفاصلة ؟
ومن ...............؟
ومن .....................؟
ومن..........................؟
واللغة تتهجى الظلال
وتكتم الصرخة في ثوب الحدادِ
*
ماذا أبقيت للشعر ولنا ؟
وعند أيّ مساحة من الحزن أو الفرح ينبغي أن نقف لنبكيك؟
وعلى أيّ زاوية سنعلّق حلتك الخرافيّة كيْما نتبرك بها
وكيف سنلْعق بعد حليبك السرمديّ ولا نشرق بالمنتهى
وكيف لجثة الزنبق/ابنة الماء أن يأكلها اليباس
وكيف ............................؟
وكيف ....................؟
وكيف .............؟
*
من قال أنك رحلت؟؟
وأنت لازلت كحل الطرقات وعطر المشيئة
صدى وشوشات الأنجم عند مفترق الطريق
غابات الزنبق فوق سطوح البيوت وبيْن الأزقة
شجر الجوز الـ يسامق قامته بالهواء عند الضفاف في لذعة الليل المدلّهم
ساحر الغسق الذي يطيَر الحمامات من كمِه
طراوة الليلك عند اصفرار الأفق، وعند تساقط الطلّ من رضاب السماء
نعش الشعر النائم في عين العاصفة
سيد الاحتمالات المتعددة المسارب، كمسافر لم يتقنْ رجفة الاغتراب
هسهسة العبير عند هبوب السموم وعند انبثاق الضياء
منفى الصعاليك واليتامى والأنبياء
وطن التعابير الملونة الزوايا ..وغابة الأسئلة.

إربد/ ابريل 2006



شفـــــاعة

                             إلى : سدنة الحرف وعرافي الكلمة

ياعرائش الأعلى
يا نور الفناء المخضَّل بالدمع
يا عناقيد الرحمة
يا آخر ما يفيض بياضًا في كف العتمة
رفقا
هاهم ينسجون اللهاث على منوال الظمأ
ويعمدون أصابعهم بالزرقة
رفقا
هاهم يعبرون كسَدَنة حلم
يركعون أبدًا أمام بوابات الليل
يروون حدائق الله بدم لا يهدأ
كي تُشهر فواكهها المشتهاة
في وجه المحرومين والأدعياء
في وجه الدروب المنكمشة على خُطاها
يروون سيرةَ الموت على أعدلهم
يسوّون بينهم وبين السماء
فأيّ رب سيبارك قيامتهم العجلى
وأيّ قلب سيدثر نبضهم المرتجف
وأيّ مسافات ستخذل شبح الحنين المندسّ في لهاة الكمنجة
الخرساء
*
هاهم على مدّ الجرح
يفتحون بحذر بوابات الموت
لتعبرَ الأرواح فيهدأ الشوق
يسألون السماء أن توقف رُعافهم المقدّس
وتلملم خطى الغربة العمياء المتعثرة في دمائهم
وهي تخيط الأكفان
ويتكئون على الظلال
*
كل ليلة وضحاها يمثّل بجثثهم الجافة
تُعلّق كساعات خَرِفة على الحواف
( أما آن لهذا الراكب أن ينزل )
مسيّجة أصواتهم بالعويل
الصدى يحفر ارتداداته في ثقوبهم الممتلئة بالدخان
والسماء تجلس عارية على مفارق أيامهم
يحاولون استمالتها بجهة ملوّثة بالحنينِ
كي تبارك العناء
أو تفسّر شيئًا من العتمة الآتية
أو تخْلع عليهم سرابيل ملائكتها حين يشتعلون
ولتطري يباسهم الأزلي
وتحطّ عن كاهلهم مجاهل الغي
ولا معجزة كي يشدّ الموت رحاله من دروبهم
أو تقْنع المسافات بالمدى
فيشهقون بالمسافات الخاوية
هلمّي
*
هلمّي
باركي الرسم المهجور في أعشاشهم الصغيرة
باركي حُمّى الصمت على امتداد الوجع
اجمعي لهاث الغياب من قوافيهم المتهدّلة
عرّي أحزانهم كي لا يجْهشوا
حين يشتعل الغناء
فصّلي اللعنة صدارات لأحلامهم العمياء
أشعلي سرجهم المبهوتة بالشك
وسعي حدقاتهم الضيّقة بالنور
كمّمي أصواتهم المبحوحة بالغناء
أدفئي كوابيسهم المتنمّلة من فرط الموت
شمسي جراحهم كي لا تتعفن
*
ولك أن تستبقي ظل الله
وهو يسدّ أذنيه عن أغنياتهم المالحة
وهم يكتبون سطرًا أخيرًا على جناح الليل
كي يهرقوا أعين البكاء
كي ينام
فلا متسع من الحيرة لتحرّك رواكد الحرقة
أو تنشج بالوقت
ولا أحذية تناسب الرمال المتحركة
ولا حقائب للريح

صلالة/ مارس 2005



صحراء الكلام
ظمأ.. ظمأ
الدرب الموغل في الحلم تعثّر بظلال الصمت
والبحر سافر حميما باتجاه الله
والربيع أرسل آخر خصلة من دمه لتسافر في دموع الشطآن
لتهدي للرمل سيرة وردة
*
صحراء الكلام تمددت باتساع الربع الخالي
الجفاف .. الجفاف
لا ماء يسقى الحكايات اليابسة على شفة الموت
ولا نهر تستحم فيه اللغات لتطهر من درن الحكمة
ولا بقايا كلام
*
عطِشٌ يعبر الشْعر كل أفلاج الغزل
ويعبره العشّاق ظامئين
الموتى ليس لهم رائحة في آخر جثة
الأحلام لم تعد تغري بإثم التلصص
وأصدقاء الكلام بلا لغة يعبرون
*
الغربة تمدّ شهيقها فيما تبقى من جَفل
وببراعة عرافة تعد جيوب الرمل لاتساع الدفقة
توطّن العصافير في حنجرتها الخلاسية
أقراطها تتدلى من جيد غواني الكلمات
تلْعق الثلج بصنارات الوله
تبارك الوجع الأرعن
تستعذب جسد الورق
ترسم النحيب شهوةً للحكايةِ
و بلا تلويحة أو قِبلة للصلاة
تغادر
*
العبث يزمجر بين أفئدة الدمى
وهي – بأرجلها الخشبية – تحدث صخبًا ما
في جبين دروب مستديرة الخطوة
ينقر السكينة بأغاني اللوعة
و العتة تتربص الخشب والأرواح
*
الحواة يفرقعون أصابع الجلبة
ينادمون الخفافيش والبوم
ويحلمون بيوم لا تشرق فيه الشمس
*
الحية ترسل لسان الجرم المشهود
كي يقبّل ضحيتها الخرساء
*
الوطن يخلع قدميْه المشوهتين على عتبات الغربة
يعبر الكون بقامة تتقلص تدريجيا
*
الأحذية تثرثر للطرقات
عن طعم خطى لم تتذوقها
*
الأقدام تنمو كالفرح على خرائط الدهشة
تخيط الثقب الأوسع في الدرب
وتتبع المطر
*
الطيْش يطشطش ألواحه
في وجوه المارة
*
الكلاب المسعورة تبيّت عدوى الحلم
في عضتها الغضة
*
نسوة اللهفة يخطْن صدارات مزركشة العشق
بأصابع كيْد يتقافز كغزال
من خيوط كرات صوف يقطر منها الدم
*
الغبار يغلّف الكون
والعواء يشكّل ديكورا صوتيا يطرز خلفية المشهد
فينغرز الفحيح كالمسامير في القلوب والورق والأكباد
التي لم تألفْ طعم السم
*
الوحشة تشدّ عرى الليل إليها
حين يزأر جرح أخرق
وتكمل ماتبقى من سيرة حلم نسيّ عينيه تقترفان عناق اليم وتاه
فاستلذّ الدرب طعم خطاه
و دخان اللهفة تصيّر في كف العتمة أمنية مذبوحة
لـ "مجرد نرجسة كانت تحلم"
*
الحزن – فيما يشبه طائرة ورقية - يحك جسده بالفضاء
حرقة حرقة يتشرّب لون الشفق
يلتفّ بخيوط الفجر كجنين جاف في بطن لغة عذراء
يمجّد بخور الشعر
ويتلمّظ فتنته المارقة
ويجف
*
المطر يحكي سيرة الغيم حين يسير ثقيلاً
*
الصوت الذهبيّ يدس مديته في الهواء مزامير شهية
يخفي لذة الفرح خلف متاريس مولعة بالصمت
ومساحات فارغة إلا من اشتهاء الكلام
*
الأحلام مثقوبة الرأس يصّاعد منها الدخان
و"الأشياء المصطنعة" تستوطن الحواف
لتصطنع الحضور الأسمى
*
الذاكرة المراقة على أروقة النسيان
تقرأ سورة الهدأة لقلوب تهوي للأعلى
لحنين يزم خطاه
يهرّب دفء يديه في قفازات لها رائحة النعناع
*
الغوايات الفارعة كـ ( كعوانات) تعانق الغروب
تستوطن صدور الآلهة كي تبارك قياماتها العجلى
تدغدغ الحلم فيكركر مزدوج الرغبة
تتكور في كف عطّر أصابعه برائحة الموج
فنبتت في باطنه حدائق ومرايا
ووجه رب أزرق
*
الأمنيات الخضراء
تبارك آخر زنبقة نمت على وجه الماء
تنضد الفتنة بإتقان تام لتشعل بهجة القادم بالرواء
تتشكل نجمة تعانق وجه البحر
وتغيب

دبي مايو 2005



شبح يرشق بي الغياب


كانَ هنا
ولم يكن يوما في أي مكان
خدش ذاكرتي بأظافر الوحشة وهو يرقى سلالم الغياب
بلا وداع ..
متكئا على حساسية الشرفاء
كان يمشي ..
متربصا وجه غيمة ممتلئة تسير بثقل
أو غيمة خفيفة تبعثر شغبها نكاية في الشمس
*
ذهب كما جاء
أسمرا وساخنا كرغيف يحنّ له الجياع
خفيفا جدا كآخر الأشباح الذين تتقاطر وجوههم الملفّعة بالخيبات آخر الليل
لا يمكنك أن تمسك أثر خطوته الفارّة من قطارات الموتى
على ملامح حزنه الساجية يزرع وردة الصمت
وحين يثرثر بهمس تخرج الكلمات من بين شفتيه هشة ومالحة
كل ما يفضي به هذيان كي لا تقبض على معنى
"المعاني لعبة الفقراء" : يقول
يجيء مزنرا بحنين القمح
ويذهب مستويا كريح حنون
*
طويل كغابة
مترب كطريق ليس ممهدا بما يكفي
ووعورته تفضح خطوة ذئب وحيد
في صدره تهبط طائرات الغيب المسافرة عكس رحلتها المقننة
وعلى بعد حزن من عينيه ثمة مقبرة شواهدها رؤوس
يقرفص على الرمل بعبثية بحار متقاعد
ويقهقه كثيرا كي تخرج الدموع لتشربها أسماك البحار الجافة
لا يؤمن بالأحذية
لأن العناق هو الفلسفة الأعمق لديّه
*
لا يحب الكتب
الحياة هي الأحب له
وربما الموت، الوجه الآخر لها
تغريه لعبة الألم في أشكالِا المتعددة
الفرح ألم
والحب ألم
والألم لذة
.........
يمارس لعبة التأمل
يقول:
(ببحة تشج صوته المنبعث من أفران الرؤيا، وغيابات الصمت)
هي القراءة الساخرة للعبة الحياة
هي تركيز حالة الثبات لحياة تؤدي عقوبة القلقلة،
معلقة من قدميْها في خيوط الغيب، وكل أفعالها مقلوبة
*
لا يعتذر عن جنون وافر يقذف به في وجه المارة
ويقصّ بمقصلة الموت أطراف كل حلم طري
يلتف بحبله السريّ، هاربا من مفاتن غربة تربّت معه في كفن واحد، حتى لم يعدْ يعرف من يشبه منْ
حين يعلِن غيابه المفاجئ والأخير
لا يبعث برسائل محزونة للبريد بل يصوّب سهم طيْشه في عتمة حنكته القصوى
ويبكي كطفل
يستلف بحة موال تخمْرت ألحانه الثكلى على مساءات الوجع المعصور في قديد الهجرة
ممسوس بحنين حكة في ذاكرة الشوق ورئة الأحلام المهترئة
يدلف للغياب بالقدم اليسرى
معلقا أمنية على مدخل روحه المشنوقة في مساءات الانشطار
لا يدّعي الحكمة
و تدعي أنّه آخر عشاقها المجانين
*
أصابعه الطويلة تمارس دوما عناقا حزينا وطويلا مع كل الأشياء
تمارس عملية عشق دافئة وعميقة مع الحيوات لاستنطاقها بالسر
أظافره البيضاء تجعلك تطلب الاحتدام معها لتخلّف جرحا برائحة عطرية
أو لتقرأ خيوط الزمن المنزلق عليها بتؤدة ويسر
*
عيناهُ المكورتان يمارس الوسن على أهدابها سطوة ثقله
يبعث لك نصف نظرة حارقة ويدّخر الأخرى للسراب
نظرته الطويلة عناق أو استجداء أو شرح مفصّل للوهن الطافي على تلكَ الشرفات
هي أيضا تلتقط لك صورة عارية بأيسر مما تتصور
لذا تتمرأى فيها كائنات اللذة
وأطياف السخرية اللذيذة
*
وهن طافح على جرح متخثر .. لا أكثر
يصيبك به فور ما تراه
بلا مقدمات مأثورة أو محدثة يدخلك في قواميس غموضه الخالد
لا يريدك أن تفككها
بل أن تسكنها
أن ترطب حرارته بشيء من كمادات العلق العالق في روحك
أن تصمت حين يتمدد عاريا وحزينا في فرحك
أو حين يغتصب شغب حيواتك السريّة بموته البطيء
أن تنتظره حتى يبدأ الكلام الذي لن يكون
وأن تغمض عينْيك لتشعر خوفه بالأمان
أن ترتدي جبته المثقوبة لتغدو هو
ربما سيقف بعد ذلك قليلا ليشكرك أو يزعجك بود مفاجئ
أو ليخبرك عن مسكنات للأمراض المزمنة كالعشق
قبل أن يرشق بك الغياب



بعد فوات الأوان بقليل

ثمة جدار ينمو
تخترقه أزهاري بجهد
ولكنه يبقى جدارا
*
أبذر حبوبي في النهر
فلا مجال لأن تنمو شجرة الصفصاف التي أحلم بها
لكني أعشق النهر أو مشهد النهر عن بعد
*
حزن مربوط بتلابيب الصمت في روحي
لذا أشعر أن روحي دمية معلقة من خيوط السماء
الدمى مشاريع بشرية مكتومة الصرخة
ومع هذا فلست حزينة كما ينبغي!
*
كثيرا ما نقول أشياء بلا لغة
كثيرا ما تخترقنا الجدران بخفة
كثيرا ما تصادرنا اللغات الممسوسة
وتصدرنا للغربة قمصانا حمراء
*
يدي العارية من أصابعها ممسكة بعصا الهدنة
بيني وبيني
*
الأسوياء في الغابات والاحتفالات والكرنفالات
يلبسون خرقة ود
وأنا عارية اللهفة
*
أشرعتي البيضاوية لا أنفخها عادة إلا في وجه العتمة
وعلى بعد ميل ونصف من الأقنعة أخلع جبتي الافتراضية
لأعلّق صمتى على قامة مأذنة
*
الأدعياء يمارسون وصايتهم علينا كالأنبياء تماما
وربما كالقبيلة أو القتلة
*
نفحة الأرق التي تهّب مساءا تذكرني
بغابات البنفسج
وببغاوات السفينة
*
المتحذلقون ينفخون أوداجهم وهم يقرأون سورة الحرية
ويرسمون عش البيضة على أغلفة إصدارات محنطة
*
أجيء بعد فوات الأوان بقليل
مزهوة بقدمي المنثنية الأصبع
أمارس ندمي ضحكا
أنحت جنون الوقت فلسفة
أتحدر كالشلاّل على شهقات السماويين والغيبيين والحمقى
وأتشظى
*
بعد أيام سأصبح على أرصفة الفراغ المبهم
وسيصحبني البحر للهاوية
*
البحر من نمارس عليه قمعنا الافتراضي
نحمّله يباسنا الأزلي
نحتجز زفراته في قعر الكأس
ونبكي بين يديه آلهتنا الافتراضية
*
أرضع كفنا محتد الرؤيا
أرفع سبابتي في وجه الغيم
وأحيا بعد فوات الأوان بقليل

أغسطس 2004


مراود الحلكة

تراتيل الوحدة داخلي ناي موجع
لم يستطع الرجل الذي قادني إلي البحر عنوة ابتلاعها
لذا ترك يديه على حافة الزرقة
بيني وبينه
*
بين البحر والقهوة مسافة رشفة فقط
دوار وانتباه
المصباح الثمل الذي كان يفرّقنا كان يضيء فتيله من عينيْه
فيسيل ضوءا سكرانا
وأنا كنت أستجدي من صوته عصافير التحليق
كي تمنحني لون الفيروز الذي أحب
وبعيدا عن رائحته التي كانت تشكّل ديكور المشهد
كنت أتساءل :
كم من الورد أحتاج لأهب أوردتي النضرة التي تحتاج؟
وكم من الموت يحتاجني لأرتقى سلالم الفراغ الفسيح ؟
وكم من الأكاذيب المفتعلة ينبغي أن تلتصق بلساني لأسمو؟
*
الحواجز السرمدية التي كانت بيننا
كانت قادرة أن تهديني أجنحة خضراء وأعذارا جاهزة للبكاء
وكنت أخزّن صوته في روحي كأغنية للربيع المقبل
ذؤابات شعري التي أعلنت التمرد عليّ إليه تسلقت ضوء القمر نحو الغياب
فأصبح الصمت سيد الكلام
*
في غمرةِ حزن قلت له:
يمكنني أن أطرّز كل الكون بالبنفسج المخضّل بالدمع
لكن لا يمكنني أن أجمع روائح الفيروز من صدر حبيب غائب
أو أسمع حفيف ثوب معلّق على منضدة الفراغ، يحاورني بلغة أفصح من لغة العاشق اللذيذة الارتباك
*
كانت المعاني كسيحة
وكان الشلل يحاصر اللغات
وكان الفلاسفة والأنبياء وباعة الأوهام يلوكون لغاتهم الخرساء بيننا بصمت
وكنا نراقب السحب البيضاء (سحب الرحيل المؤجّل نحو الكارثة، كما أسميناها)
نقرأ فيها الوجوه التي ستهدينا باقات الموت الأنيقة
كان المشهد مرتبكا (هكذا قال المخرج الكبير)
في حين أن خياشيم السمكة التي كنا نراقبها لساعات طويلة
ونرقيها بصمتنا جعلتها تتنفس بحرية أكثر مني
*
قلت له:
سأعلّق الخرزات التي أهداني إياها حبيب جدتي ليلة العيد
على صدر قصيدتي التي لن تكتب
ولن أنير شموعي للقراصنة والأولياءِ
لأنني أحب الظلمة
ولن أستمع لأحاديث أبي الباردة لأنها قمع من نوع آخر
وسأظل أهذي ببطء وحرقة
فالهذيان موتي الجميل
*
كان غبار الوحشة يجعلني أصّاعد للسماء
الوحشة التي كانت تقايض بي الجهات
وأزرار قميصي الذي قدّ من قبل
وقداحته السمراء
التي تشبه امرأة الملح التي تمشي الهوينى بين ضلوعي
وتسرّب الضوء للعشاق والمجانين
ولسيّد الأنهار الملطّخ بالطمي
الوحشة التي اختارها خليلة قصوى
والتي لم تهب له أكثر من حزمة لعاب لزج في ليل طويل
كانت تهبني "مراود الحلكة" لأبصر
أبصرتُ وذهبت!

نوفمبر 2004



الفلسفة الحقيقية هي في إعادة النظر إلى العالم

(ميرلو بونتي)

بورتريهات العتمة


حزن

حزن بليغ ينبلج داخلي
تصطك أسنانه اللامعة غيظا
يطبقُ فكيّه على عنقي
يبعثر ألوانه الجهنمية على مداخل الأشياء
يسورها ..
يسرّب الفجائع
يحركُ الرواكد
بين يديه تتوالد أعشاش القيح
وعند حدوده النيئة يمد القيظ ذيله الطويل
ليتصل بثوابت الممكنات فيحرقها
وتتساقط مساحات الوهج فريسة لكوابيس اللعنة
ويخلع الموت جبته على اليقظة المغيّبة في روحي
يقامرني بحانات الكلام، وحنحنات الشعرِ، وحبات الحنين
فأتمنى (فقط) أنْ أبكي بشدة



أسئلةٌ

* كم مضى على ذلك الرحيل المؤبّد نحو الهاوية؟
* كم أمنية من الموت تفصلني عن لغة الطائر المحبوس في أضلعي ؟؟
* كم ذاكرة تستبيح ذاكرتي في غيابها الساديّ نحو الأضرحة؟
* كم لغة نسجت مراجيحها دما في غيابي ؟؟
* كم لحظة منحوتة من وجه الحنين لكائن ليس هنا ؟؟


مزاد

الظلام يزحف نحو صاريتي فاتحا ذراعيْه
يطلب أن أعانقه
الحزن يسكر في دمي
رأسي حانته المفضلة
يهتز/ يترنّح/ يرقص نشوانا على مزامير اللعنة داخلي
أشتهي أن أخلع رأسي
(آه لو كان قبعة فقط)
هذا الرأس يرعبني
من يشتريه؟
من يقايضني عليه؟
من يبادلني بآخر؟
سأخلعه وأضع على كتفي حجارة صماء

حنين

القبور تزحف نحوي فارشة بياضها
تطالبني بقرابين الرؤيا
واهبة لي عيون الجزارين النائمين في ألحادها منذ الأزل
وأياديهم الملوثة بالدم
وروائحهم المدهونة بالطين
فقط حنان النظرة التي وهبوها لي
لا زال يجرح داخلي بفقد مؤبد
وأمنية حارقة بعناقهم


عمى

الفوضى تزاحم العتبات على المضي
تصطنع جلبة أقوى للدخولِ
الطول المنضّد بالفتوحات القصيرة والحدود الضامرة
يحلم بتحقيق السبق دون لهاث
ودون فسحة التعرّق
يجاهر بأفعال التوثّب والانقضاض في رحلة الصيد المؤرّخة النوايا
العراف الأعمى يمد بصره
فلا يأتي أبعد من ثقب إبرة



دوده

تراودها بهجة الطيران
تعتّق اللذة
تدس في شرانقها أمنيات الفراشات
بكعوب الضوء
وتحلم بالحرية
وحين تنفتح بوابات الشرانق على لثغات الشروق المبكّر
وكركرات السحابات الماطرة
تنقصها الأجنحة


ازدواجية

في يد .. يحملون زغاليل الفتنة
وفي اليد الأخرى مفاتيح قارون
أو سيف الحجاج
يولولون خلف لذة عارية
يستبقون باب قصيدة محنّاة بالضوء
يرفعون قبعاتهم عند المداخل لقرص الشمس المعلِن الحداد
ويقسطرون الضوء في الأكباد
ينصّبون أنفسهم حراس السراط
ينفخون في القلقلة العابرة ليسقط الجمع
ويبقون وحدهم على عروش الكلام


كذب

جمع يتهادى بنقاء وردا أبيض
وأمنيات خضراء
وبأناقة كائنات تتمدد ببراءة في المستنقع
يصدّرون الزيف
والكذبات التاريخية


رجل شرقي

"علانيةً " ادعى التقدم الفكريّ
تفاخر منتشيا بلائيته
"سرا" تحسس أعضاءه
تفاخر بفحولته
خان كل شيء
بين يديّ لذة عارية
"كائن مركب تركيبا غير مزجي"



شاعر

يقرفص على رصيف الرغبات
مشدود كوتر في جسد اللّذة
معجون من مجون اللغة
وشهوة الانقضاض على المعني
شبق بها حتى الهذيان
يتمدد بين أروقة حرف ساخر
ينادمه حتى الذوبان
ثم يتركه عاريا كالفضيحة
ويهرب
لأغنية جسدية ثملى
ورغبة عاهرة

غياب

شاهدتْ الغروب باكرا
فافتتنتْ شهقتها بألوانه
بعثرتْ وجهها في المرايا
وبنت لها من الكلمات بيتا
نسجَت عباءتها من حنان الريح
وشبق الأشرعة للرحيل
سافرت على صدى أغنية يتيمة
لبلاد لم تزرها
وأدركت أنها لن تعود

ود

ود قديم
حزين كالوداع
كصوت الناي المعانق لهفهفة النسيم
بيني وبين صفير القطارات
يكاد صداه يخلع فؤادي من مكانه
كما يخلع الحطّاب
أوصال شجرة هرمة بفأسه الفتيّ



حالة

في المساءِ حين يغادرني الجميع
بما فيهم ثيابي
لا أشعر بالوحدة
بل أتلذذ بالحنان
الذي تسرف طيوري المهاجرة
في بثه لي عبر أجهزة غيبية

علامة حمراء

عدت من كل الحروب، والمجازر الوهمية
من كل المخططات .. والخرائط .. والمشاريع
من دراسات الجدوى .. واللاجدوى
بعلامة حمراء
كتلك التي لمحتها يوما
في دفتر صديقتي في الطفولة
وبكيّت أكثر منها
أظنها الآن ستقبل أن تفعل ذلك لأجلي


شجن

طنين نحل في رأسي
وجوه بغيضة كالذباب
تتقاطر عليّ كالحزن
بفضوليته المسرفة في الإلحاح
كلُ شيء داخلي الآن
له لون شعرة غادرتني ذات ماء
حزنتُ على التماع الضوء في عيونها
أمام المرآة


جمود

الأصنام التي أمامي
تمارس دورها في العبادة
بما يدعو للقرف



موت

شمعة نزقة
تستل العتمة رويدا رويدا
تخبئها في ذاكرة الزرقة
تتنفسها
وتموت ببطء


خيانة

المرازيب التي كانت تشتهي البكاء
بعمق في بيتنا العتيق
آخت الحمام منذ فترة
وحين غافلها عشق المطر
بكت بحرقة
كانت تبكي بيض الحمام وزغاليلها
هذه المرة



انحناءات

انحنى الناي لحنجرة الراعي
انحنى الخيزران لخصر غانية
انحنى البرق لوهج شاعر
هذا فقط مايوجب الانحناء
قالت للريح للأحذية



إعصار

أحبكَ
أيمم أشرعتي الممزقة
نحوكَ
لكنني أخشى أن تجرفني
لأنك لم تعرف يوما يتم الأشرعة



طحالب

تستحم عارية في البرك
التي أدمنت رائحتها العفنة
ترفد النهر بذيولها الطويلة
تنشج بالماء
تتسلق صدغه
تداعبه
الماء الذي يعرف أبدا كيف يتركها
تمسّد جسده بلا رغبة



بصمة

يمشي مزهوا
مختالا بكل ذلك العبور
يترك بصمة حذائه
كتوقيع أخير على حضوره المقيت



فجوة

حين يتحدث
يتدلى لسانه
بين لغته
وموقفه
فيلمح الجميع
تلك الفجوة الواسعة
في الضمير

عفن

ماذا ترك البحر للمستنقعات
سوى رائحة
ليس لها أن تحضر
إلا في ذاكرة طحلب؟!


قنفذ

يشهر أشواكه
للعابرين
حين يعبرونه
ويغرسها في جلده
حين ينام



جفوة

أتنحى عن البحر
أعبره بلا قدمين وبلا عينين
أهرب منه
أخشى أن يقرأ أحزان ذاكرتي الخربة
المورقة بالخذلان الشهي
فيفيض دمعه على الشطآن



أرجوز

يمد الخيط
يعبر
يقذف قدميه للعبة
يتمرجح
بين الفكرة والأخرى
بين الحرف والحرف
بين الرعشة والجسد
يفصّل جناحيه
على مستوى الريح
وفقط يحاذر الشمس
كي لا تذيب الشمع


طموح

لا أرغب في تسلق الجبال
ولا الوصول للقمر
كل ما أطمح إليه
نزع الشوكة المستقرة
في كبدي من زمن الخلق



لماذا ؟؟

الجميع هادئون
سادرون في غيّهم
ووحدي حُمّلت ثأر الأرض الخراب
وجريرة أبنائها الأدعياء؟


أزهار الشر

أنبتي في روحي بذورك الطاهرة
اغرسي جذورك العذبة في أرضي الميتة
وزّعي تفتحك الشبق في جسدي
بللي بنفسجك الحزين بدموعي
فهي لن تجف أبدا




رصاصة


كيف أتجاوز حدود قدر مشرئب داخلي بكل جزعه
حملنّي وحدي دم هابيل، وندم قابيل
وكل تداعيات الطرق المكتحلة بمراود الحلكة اليانعة
لأذوب من وخز السكون الرابض في جوفي
كحمى مزمنة؟
.
لاشيء يستحق مني الآن
سوى رصاصة

تعليقات