التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الوطن

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات 2008
الوطن" فكرة ثابتة ॥وكائن متحرك !!!
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
أنا العاشق
والأرض حبيبة
(محمود درويش)
لا نعرف تحديدا ماذا يسكن في أعماقنا للوطن من عشق، ولا نعي معنى الحب المترسب في قعر الروح له؛ حتى نختبر ذلك الداخل المكتحل بالفراغ في غيابه، نظل نحلم بالسفر، والدهشة التي يمكن أن تقضي على السأم الذي يتراكم في أعماقنا كالغبار نتيجة لارتطام الروح اليومي والمتكرر، بالتفاصيل والأشياء والكائنات، نحلم أن تتخلّق لنا أجنحة لنرفرف باتجاه المجهول، لنحرك جمودنا، ونقصي ثباتنا المستدير، أو نعانق وجوها جديدة بملامح أشد رائحة وأكثر سطوعا.
حتى تقرصنا حمى الغربة، وتلدغنا لذة الشوق، ويأكل الشطط من رؤوسنا المشحونة بالخيبات والهزائم، ومن أجسادنا المترعة بالعطب، فتشتعل فوضى مصابيح الحنين بوميضها البكر، وتهفو الروح للدفء البعيد والمستتر، وللأشياء الثابتة والمتمركزة في الأعمق منا، يصبح كل شيء كان راكدا في الذاكرة عذبا، تتجمل الأشياء، وتتبرج الملامح، وتبتهج المنغصات، تتجرد الأشياء والشخوص من رعونتها ومن أظافرها الطويلة والجاهزة للخدش، تصبح الخدوش ملاطفة، والجروح مداعبة، وينتصر الوطن كفكرة ثابتة، وجسد متصل بالجسد ومتحرك معه، حتى تصبح الملامح والألوان، الهيئات واللهجات، والشكل والزي، بوصلة للوطن.
تصبح الضحكة الطازجة، والدمعة القريبة، والبياض الداخلي والنقاء المخلص في حيثيات التعامل فريضة الحنين، وتصبح البساطة والطيبة والسلام، والثبات والطمأنينة والهدوء والسكينة خارطة الانتماء وذاكرة الوطن.
نتغافل فجأة عن وجع كان، وألم أشعل الرفض، وحرّك القوارض، عن دبابيس تصيَّدت القلب، ومخالب أقصت الفرح، نتناسى ملح الدمع، ومشارب العجز، لنصافح الذكرى بلهفة العاشق، وصدى الحنين، ونعقد مقارنة سريعة لصالح الوطن.
ولاسواء في كفتي الميزان، فالأرض أخضر، والقلوب أبيض، والأصوات أهدأ، والقيم أعلى، والجمال أنقى، والأرواح أطيب، وأفعل التفضيل يتصدر كل شيء! والحنين يشعل الوجد ذاكرة للوطن.
حينها نعي أن الوطن ليس حديقة بجمال تبرجها، وبهاء زينتها، إنه البيت برائحة البخور واللبان تصلبك على ذاكرة العمر القديم بحلاوة الجهل الطفولي، إنه الجدار الذي يمنعك من الغريب مهما كانت درجة قوته أو ضعفه، إنه خبزتك حين يداهمك الجوع بلا استئذان، إنه وجوه من تحب، وأصواتهم وروائحهم، إنه ظلك الذي تحمله معك مهما غيبتك الدروب، أو أقصتك الطرق، انتماؤك المعزز بالفخر والعنفوان، لكل شيء، ثقافة روحك وجسدك الممتدة من الملامح والوجوه، حتى الروائح والألوان، حتى الأصوات والطعام، ذاكرتك المؤطرة بالرمل والماء والجبل والحنان الجميل.
الوطن هو الظل الثقيل والمطاطي لخارطة جسدك وروحك وعقلك، ذلك الظل الشرَك الجميل الذي لا انفكاك من سطوة عشقه، فهو ثابت ضمن فكرة الخلود، ومتحرك كظل مرافق أبدي تحمله معك حنينا أسطوريا، مهما شطحت بك الدروب، أو جنحت بك الأسفار، أو أكلت الغربة من ملامحك الهشة.
وكأنه إذن فردوس العشق، والذاكرة الراعفة بالرؤى والحنين، ووجه الأم يقطر طيبة في الصباحات المغسولة بالطلِّ والبرد، أصابع الموج تنسج غبار الحديث على صدر غيمة ساهمة..
سدرة اللثغة البكر التي نعلّق عليها ما تبقى من حوار ليلة البارحة، وما تبقى من حديث لن يكتمل على الشفاه، ارتباكاتنا الأولى وما تناثر من دوخة العطر على الذاكرة...

تعليقات