أجرى الحوار عبد الدايم أكواص (ليبيا)
1- لماذا تكتبين الشعر ؟
أكتب الشعر لأتباهي بجراحي كاملة، لأناور الفقد، وأهزم الهزيمة، وأتمرد على التمرد، أكتب لأعلن يأسي حين يفيض الأمل، وأشرق بالأمل حين يستشري اليأس، أكتب لأثأر للمستحيل من الممكن، وللهامشي من المتسيّد، أكتب لألوّن الكلمات بألوان قوس قزح المسفوح دمه في جسد البحر، ولأقايض المطر بحنين الصحراء المتربعة على قمة الخلود الآدمي الرافل في الموت والجفاف والمحل. أكتب لأتربص بدم غزالة تركض في دمي، أكتب لأخلع جلدي كلما أخذتني حكة في الوريد، وكلما غصّت الأنثى داخلي بالرفض الحنون، وكلما فاض دمعي عن محجر العين، أكتب لأقايض فلاسفة المنطق بهباء عبارة ضيقة، ومعنى مجلل بالغموض، أكتب لأجمّل القبح الذي يتقدم الكينونة متبخترا بطوله القصير وقدمه العرجاء، أكتب لأعلن لليل أنني أصطفيته دون الشمس خليلته التي يركض في أثرها فلا يلتقيا أبدا، أكتب لأروض قطعان المها الي تقف على حدود أصابعي وتتحين شهوة السبق، أكتب لأعلن للرجل الذي يقف عند خباء قبيلته المزيفة أن الكلمات أجمل كحل للأنثى، وأجمل وردة يمكن أن تضعها على صدرها . أكتب لألون ذاتي ببهاء القصيدة فأشعر بي خفيفة صالحة للطيران، وأحيا كل حياة جديدة مع ولادة نص جديد.. أعتقد إذن أنني أكتب لأعيش بشكل آخر، بشكل يشبهني فقط .
2- هل الشعر نتاج وجداني يعوّض اليومي/الحياتي ، أم هو نتاج عقلاني يكمل المفقود في المشهد الحياتي؟
هذا وذاك ، الشعر في البدء وغالبا هو نتاج وجداني، وربما هو حالة تعويضية لنقص مبتسر لحياة ناقصة أصلا،حياة لاتقدم الكثير من الجمال، لأن الأشياء مع استفحال قبح البشرية أصبحت ملتبسة، لذا فلم تعد الخطوط الفاصلة منهجية وواضحة، لذا فالجمع يسير في غيّه، ولايدرك حقيقية الأشياء ولايعرف معايير الجمال ليتماس معه، كما لايعرف فواصل الممكنات والمستحيلات كي يسع لها. لذا فليس أمام الشاعر سوى أن يتقمص أدوار أكثر هشاشة، ويحجز منسوب مياهه في دم الغربة الخاصة، ويتكور في رحم الخروج معوضا عن ذلك النقص اليومي والحياتي بنص يعدل به كفة الميزان البشع والملتبس أيضا !! ولكن أنا مع الفكرة الثانية وهي أنه حالة إكمال للمفقود في ذلك الحياتي/اليومي الهش والهامشي، والسائر كالذي يمشي في نومة من بشع لأبشع، فالشعر استجلاء للداخل وتكويره في هيئة نص يشفع لكل ذلك اللهيب المستعر عمقا، والفراغ المتأرجح بين الفوضى والخواء، الشعر يد أخرى تلملم الغياب والحزن على حياة يتأصل فيها الفقد والقبح والغربة والموت، وتساومها الأشياء الناقصة، ثم تضعها في دبوس يصلح أن يكون نيشان فخر، وإعلاء لعبث الأشياء المتساقطة في دواليب المشيئة التي تبتهج بأن يكون كل شيء منسقا في نسق ترتضيه وإن كان هشا وناقصا. الشعر حالة خروج متجددة، وغير مقننة على الأشياء المبهجة والمحزنة معا، الوقوف على تلة الخلق، لاستشراف حالات الخلق المضادة المتصلة بهدم الممكننات وتخريب الثوابت(التي ماهي إلا الحياة)، الشعر خيار مكتمل الإرادة لأن الحياة الأساس غير مرضية أصلا لذا فلابد من إكمال النقص برؤى أجمل .
3- وماذا عن تجربتك الشعرية..هل هي تجربة تأمل حسّي تبوحين من خلالها بمكنونات نفسك أم هي محاولة منك لرسم صورة أخرى للواقع الذي تعيشينه ؟
في التنظير للأشياء نملك أن نضع فاصلة أو حتى نقطة، لكن في الخاص لا! فأنا أكتب من الداخل، لذا لابد من تسرّب الأشياء التي تسكن القلب والمخيلة في فخ الشعر البهيج، إلا أنني حين أجيبك بوعي أقول بأنني أكتب الشعر لأرفض بتحدي كل مايكبل صوت الحقيقة، لأناقش بحدّة المسلمات المتآخية بركود في المياه الآسنة، أكتب لأغاير منظورات ثابتة خانها التغيير ذات عشق فاستسلمت للثبات، لأحاكم المنطق الذي يرتدي خفا واسعا لأن الرمال تتحرك من حوله، أكتب لأجمّل الكثير من القبح الذي نعيشه، ونحن لاندرك أنه قبيح، لأننا نضع نظارات ملونة، أكتب لأجبر الأشياء السوداء أن تخلع نظاراتها وأنا ألوان مفرداتها بمكر وإغواء وخفة كملابس نساء البحر ذات ظهيرة صيف .
4- حدثينا قليلاً عن المشهد الشعري في عُمان …
المشهد الشعري في عمان مشهد ممتد بعمق التاريخ والجغرافيا، مشهد مختلف الأجيال منذ السبيعينيات (كتأريخ معاصر) وحتى جيل مابعد الألفين القادم بعفوية الشعر، وجمالية السعي نحو الاكتمال به، هناك الكثير من الأقلام والأسماء المتحققة، والكثير من الأجيال المتقدمة نحو الشعرية بتغاير وألفة، وهناك الكثير من الشعر الجميل بكل ألوانه أشكاله، ومباهجه، وأجياله، هناك الكثير من الشعراء من كل الأعمار معشوشبون كالأرض المقدسة، ويأتون ثمارهم أنهارا من عسل مصفى، والكثير من المجموعات الشعرية تعانق الحضور بين الفينة والأخرى، لذا فهم في حفظ الشعر الكريم. لكن ربما المشكلة تكمن في الحضور الداخلي فقط، لولا بعض امتدادات النشر الخارجي في دور نشر عربية أعطت لبعض الأقلام ريشات تصلح أن تكون أجنحة للتحليق نحو الآخر. و مجلة نزوى نافذتنا على العالم الذي صدّرت الكثير من الأقلام لتقرأ عربيا وربما عالميا، وهذه بدايات مطمئنة أتمنى أن تمتد كامتداد البحر والسماء ليكون المشهد العماني خارج مناطق السؤال وداخل مناطق المعرفة به. 5
- كيف تصفين تجربتك في هيئة تحرير مجلة شعريات ؟
الحقيقة جماليات التجربة تكمن في فكرة مجلة جمعية عربية متعددة الأقطار في هيئة التحرير، فهناك أسماء جميلة من العراق واليمن وتونس ومصر والمغرب وعُمان وغيرها من الدول، تشترك معا في تحرير هذه المجلة، وبذلك تسترفد هيئة التحرير أسماء ومواد من معظم الدول العربية لتأتي المجلة متنوعة وشاملة، ولعل التواصل العالمي(الإنترنت)هو ماسمح بتمكين هذه الفكرة وتحققها، حيث ترسل المواد بالإيميل، وبالتالي ففكرة مجلة شعريات فكرة جديدة وجميلة ومغرية باللبوث عند حدودها، أو الولوج فيها
. 6- هل استطاعت الشاعرة العربية أن تكسر القيود التي كان يقيدها بها العرف والتقاليد، وأن تخرج من عباءة القبيلة؟ ثمّ هل استطاعت أن تقنع المتلقّين بما تكتبه؟
أعتقد أن هناك الكثير من الشاعرات كسرن قيد العرف والتقاليد، وخرجن من عباءة القبيلة، واستطعن أن يقنعن المتلقين بما يكتبن، ولكن الأمر ليس كما نحلم تماما، فالعرف لازال بأذرعه الأخطبوطية التي تمنع الكثيرات من الظهور، وعباءة القبيلة لازالت أشد سوادا من الفجر الذي يسمح للأنثى الشاعرة بالحضور الذي يليق بجمالها، فهناك الكثير من العتمة التي تخفي العديد من النساء اللواتي استكن للظل وباركن الصمت . كما أن لعبة الكتابة قد أغرت البعض ممن لايملكن أدوات الإبداع للخوض في غمارها، وللأسف باركهن البعض ممن له مآرب أخرى .. إذن: فكرة الكتابة والأنثى العربية لاتزال مرتبكة ولاتزال تحتاج الكثير من الوعي والاشتغال، والنقد والتنظير وغربلة الأسماء، وحتى ذلك الحين فنحن محكومون بالأمل!
7- هل هناك اختلاف بين فاطمة الأنثى/الإنسانة وفاطمة الشاعرة ؟
نعم هناك اختلاف بيّن بينهما!! ففاطمة الشاعرة حادة ولها مخالب تمسك بحرقة الوعي ولظى الأسئلة، وكثيرا ما ينهشها الوجع وتربكها تعرية الأشياء، وتباركها الأدخنة المنبعثة من رأسها أو رئتيها الملوثة بالشك، تمسك إزميلا تنحت به في الفراغ والظلمة، وتشق به أجنحة الغبار لتخلق كونها المزين بنجوم فضية فهي لاتحب البريق الزائد. لذا فهي كائن من دم، ومن حزن إضافي، واتحاد مطلق مع الأشياء حتى لتغدوها غالبا، فلاتدرك الفرق بينها وبين الكلمات التي تكتبها. أما فاطمة الأنثى/الإنسانة فهي كائن طيب، تحب الفرح الذي قد لايكون وافرا ولكنه يكفي لأن يكون بلون إبتسامة تزرعها في كل وجه تقابله، كما أنها بسيطة كالماء فقد تعلمت منذ نعومة الروح كيفية تفصيل الأقنعة، ووضعها بما يناسب الكائنات الموجودة أمامها، والمواقف المباغتة والتي لاتقتضي أكثر من تداعي تام معها، تعلمت كيفية تخدير الوجع، والمشي برأس مقلوبة للأسفل، وأقدام للأعلى، والاحتفاظ بعالمها الخاص لتلك الأخرى التي تسكن على بعد حزن منها بشموعها وشياطينها وكلماتها وكتبها.
8- ما هو الشيء الذي لا تستطيع فاطمة أن تقوله كلاماً وتسعى -أو تتمنى أن- تقوله شعراً ؟
ببساطة الشعر خارج مناطق الكلام، وكل مايقال لن يدخل أفق الشعر العصي على الكلام، فالموت، والحب، والحزن، والشك المفند بالأسئلة، هذه هي مناطق الشعر الغزيرة التي تكتب حرقتها على خاصرة الروح بوجع و بحبر سري ، أتمنى أقرأه جيدا ذات يوم وأكتبه كما ينبغي!
تعليقات