التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الثقافة والقيم

فاطمة الشيدي
ملحق أشرعة/ جريدة الوطن



القيم من قيمة تدل على "اسم النوع من قام بمعنى وقف، واعتدل، وانتصب، وبلغ، واستوى، وتدل مجازا على ما اتفق عليه أهل السوق وقدروه وروجوه في معاملاتهم بكونه عوضا للمبيع."
وهي في المصطلح: "مجموعة من المبادئ والأفكار والأحكام المعيارية الظاهرة أو الضمنية التي تتصل بواقع الإنسان، والتي يؤمن بها الفرد من خلال عقيدته وتربيته وقناعاته، وتتجسد في سياقات الفرد أو الجماعة السلوكية أو اللفظية ومن خلال اتجاهاته واهتماماته".
وتتبنى معظم المجتمعات منظومة قيميّة تعني ببناء منهج متكامل للحياة، لتحديد الحياة السوية للأفراد والجماعات ضمن إطارها، سواء أكانت تلك المنظومة مادية نفعية، أو روحية عقائدية. وتشمل القيم المكون النفسي والعقلي للكائن، سواء كانت نقلية المصدر، أو وضعيته لتحدد ضمن فلسفة المجتمع ومحدداته السلوكية المرغوب، والمرفوض، ومعاييره الخاصة كالحب والخير والجمال.
والقيم مكتسبة - غالبا - من مصادرها الإلهية ومصدرها الوحي، أو الوضعية كالفلسفات الإنسانية، كما أنها معيارية حيث تمثل المحك الذي يحدد محددات السلوك الإنساني الفردي أو الجمعي، وهي متغيرة حسب العصر والزمن، ومتغيرات الداخل الإنساني والخارج الكوني الاجتماعي والثقافي، وبذلك قد تكون قيم ثابتة، أو قيم غير ثابتة ولكن بدرجات متفاوتة، فهناك قيم يداخلها التغيير بصورة طفيفة في كل زمان ومكان وهي محددات الخير والشر والقبح والجمال إلى غير ذلك، وهناك قيم متغيرة بصورة نسبية وهي قيم ثابتة إلى حد ما، وهي بالتالي متغيرة إلى حد ما، وهذه قد يعتورها من التغيير الذي يداخل الحضارات والثقافات ما قد يلغي منها أو يضيف إليها، وبذا تتسع رقعة اختلافاتها مع ثباتها النسبي، وهناك قيم متغيرة تماما وهي التي يستحدثها البشر لحيواتهم الاجتماعية والمعيشية ويغيروها كثقافاتهم المجتمعية.
وهناك قيم دخيلة وهي إما مقبولة تتناسب مع المجتمع المستورِد للتشابه بينها وبين قيم المجتمع المصدّر، أو دخيلة مرفوضة لتغاير المجتمع المستورد مع المجتمع المصدّر لهذه القيم.
وفي ظل التقدم الكوني الذي مس كل مكوّن من مكوّنات الحياة الإنسانية المعاصرة وأنتج كائنا كونيا ومثقفا كونيا وثقافة كونية، زادت كمية القلق التي يعيش ضمنها هذا الكائن، وتسبب ذلك في غياب المنظومة القيمية الخاصة، وأظهر فشل الثقافة الجديدة في تقديم بديل للقيم الغائبة في عالم الواقع وإن بدت موجودة في التنظيرات المعرفية، الأمر الذي جعل هذا الكائن يتخبط بعشوائية في حيواته الخاصة والعامة، ويسيطر عليه الإحباط لفقدان موجهات السلوك والقاعدة المرجعية لها، والتردد في تحديد الأحكام، لأن القيم هي التي توجد لدى الفرد الإحساس بالخطأ والصواب، كما تعينه على تحمل المسئولية تجاه حياته وتعينه على إدراك ذاته وتدفعه نحو المضي في هذه الحياة.
وعدم وضوح الغاية أو والمحددات السلوكية للحياة يسبب الاضطراب والقلق، فالغاية والمحددات السلوكية هما الوسيلة الوحيدة لإحداث الإشباع النفسي والرضا الداخلي.
إن امتلاك المنظومة القيمية المتكاملة بجوانبها النفسية والفكرية والأخلاقية هي البعد الثابت لتوازن الإنسان، والإيمان بها وتطبيقها هو المحك الذي يفرق بين إنسان وآخر، لأن الإيمان بالقيم والاعتقاد بها دون تطبيق لا يكفي، فهي معيارية بمعنى أنها تحكم سلوك صاحبها، وتقوّمه وتحكم عليه فهي الحكم العدل ومرجعية الصواب والخطأ، كما أنها يفترض أن ترتقي مع ارتقاء المستوى الفكري والعلمي وجميع مستويات المسئولية، لأن الشرائع السماوية والفلسفات الوضعية رفعت مستوى التكليف بارتفاع مستوى المسئولية، وبذلك فإن مستوى القيم المفترض امتلاكها يرتفع بارتفاع مستوى المسئولية كالوعي والتفكير والعلم، حيث يصبح الكائن افتراضيا قدوة ومعلما للآخر بسلوكه ومرجعياته المعرفية وتصرفاته المحكومة بالقيم، فالإنسان كلما قلت مسئوليته قل المتضررون أو المستفيدون منه، وبذلك المقيّمون لمنظومته القيمية في التعامل الإنساني العام والعكس قائم.
إن بناء منظومة قيمية تحكم أفراد المجتمع تشكل مسئولية واسعة النطاق تبدأ من الأسرة، مرورا بالمدرسة فالمؤسسات بهياكلها البسيطة فالأكثر تعقيدا، فالذات المثقفة والواعية أو الكونية التي تحلم عادة بإعادة صناعة العالم كي يتماشى مع تغير بنية المفاهيم الحديثة المنطلقة من تغير المجتمعات، وتحديث الحياة المستمر، وسيادة مفاهيم أخلاقية كالحرية والوعي بأهميتها الحضارية، وأدب الاختلاف، وفلسفة التعامل مع الآخر، واحترام الإنسان، ورفض سلوكيات الفظاظة السلطوية، ورفع قيمة الثقافة والعلم، في مقابل تحجيم قيمة المادة وغيرها من المفاهيم التي تشكل منظومة القيم العصرية الحضارية التي يجب أن تسود وتحكم تصرفات الأفراد.
 إن سيادة القيم هي رهان الثقافة الحقيقي، ومعظم المجتمعات اليوم بحاجة ماسة إلى وضع ملامح تخطيط لبعث قيمي واعٍ وجديد، وتحديد استراتيجيات ثقافية إعلامية لتنوير الذهنية والروح الإنسانية، ومحاربة القيم القائمة على المصلحة والنفعية، وهوس السلطة، وتجديد آليات الرقي الفكري والإنساني.
كما أن من وظائف الثقافة والمثقف استنفار طاقات مؤسسات المجتمع المدني لتعميق المنظومة الأخلاقية القائمة على مفاهيم العدالة والحرية والخير والحق والجمال، وتصحيح مفاهيم قيمية مغلوطة كمفهوم الحرية الذاتية المطلق مثلا، وبناء مناهج قيمية تدرس في كل المراحل الدراسية لتنتج مخرجات حضارية راقية، وتعالج الصدوع الكثيرة في المنظومة القيمية للمجتمع العربي، والقضاء على النماذج السلبية، والاحتفاء بقيمة الإنسان الحقيقي.
 وبيان أثر القيم السلبية في هدم جماليات الكائن، فالثقافة هي جزء من المنظومة القيمية الإنسانية الرفيعة، بل إن القيم هي مرآة الثقافة الحقة.