التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

قراءة احتفائية في مراود الحلكة

بقلم / بدرية الوهيبي جريدة الزمن ثقافة السبت 14/6/2008 * مقدمة
فاطمة الشيدي شاعرة متورطة في كتابة القصيدة من رأسها حتى أخمص قدميها ، ومنذ منتصف تسعيينيات القرن الفائت بدأت بنشر نصوصا شعرية ونثرية، ومقالات نقدية في المجلات والملاحق والمواقع االالكترونية الثقافية. شاركت في بعض الأمسيات والفعاليات والمهرجانات الداخلية والخارجية كـ : مهرجان الخنساء 2002/ مهرجان مسقط 2003/ معرض فرانكفورت الدولي 2004، مهرجان عقرباء وأمسية ببيت الشعر الأردني 2006/ مهرجان حلم بين ريشة وقلم 2007،إقامات الإبداع الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007. وهي عضو هيئة تحرير مجلة شعريات مع مجموعة من الأدباء العرب ، كما ان الزمن احتضنت بحب عمودها الأسبوعي ( اشارات ) كل ثلاثاء . صدر لها عن دار الرؤيا 1997 مجموعة شعرية بعنوان ( هذا الموت أكثر اخضرارا ) ، ومجموعة أخرى عن دار المدى بدمشق بعنوان ( خلاخيل الزرقة 2004 ) وأخيرا صدر لها عن وزارة التراث والثقافة مجموعة شعرية بعنوان ( مراود الحلكة ) ، وثمة رواية قيد الكتابة سننتظرها بشغف وفرح . تقول عن نفسها ذات حوار بأنها ( ذاكرة من ورق، و انها كما كل الكتّاب كائنات اختارت أن تحيا على هامش ورقة بيضاء كخيار وجودي صعب.. كأنها أنا سدرة الليل المترملة من أصوات العصافير وروائح المطر المتهدلة الأفنان في منتصف الغناء جثة السديم الغارقة في براثن الحلك كأنها برقع الحلم بفتحتين عند منافذ الصمت تبيع على قارعة الوجد ماتبقى من سهادها الملعون وتقامر الليل بفناجين القهوة الدائرة بالسخام المقتد من جزع مسربل بالحنين من شهوة المغالاة في ردم الشقوق الكثيرة في صدر ضيق كالمطارات اللعينة كأنها أنا هذا التخبط في الوعي واللاوعي بين الذات وبين الخيال ، بين الواقع واللاواقع ، بينها وبين الهاوية ، الشعر في حياتها متنفس آخر وحياة أخرى وموت من نوع أخضر آخر أيضا ، الا انه – حسب كلامها _ أعطاها كل شيء وأهم شيء هو الاكتفاء فأنا أشعر أنني مكتفية به عمّن سواه، وأوصلني لحدود الأفق ولمستوى الوجع، لهذا صرت قادرة على التحليق كما أنني قادرة على تذوق أوجاع الآخر، والاحساس به، وهذا أكثر مما قد أتمنى وأقصى ما أريد * التكثيف والاختزال وفي مجموعتها الأخيرة ( مراود الحلكة ) تقترب الشاعرة من منطقة الشعر بلغة شفيفة حالمة، أنها شاعرة تدرك خطورة اللعبة لذا تغامر كفراشة الى حيث الاحتراق، شاعرة اعتبرها واحدة من الشاعرات القلائل اللاتي اتخذن القصيدة مشروع انساني جمالي تسعى لأجله بكل ما أوتيت أن تخرج به من سواد الفراغات المتناثرة هنا وهناك، تأخذ بقصيدتها الى حيث العمق والبناء المتين اللغوي والفني لقصيدة اعتبرها البعض الكثير انها دخيلة على ارث الشعر العربي، لقصيدة لا تقبل الرهان الا بما تتخذه من ثقافة واطلاع وعمق وروى فلسفية ماورائية الصورة، وهذا هو الرهان مع قصيدة فاطمة الشيدي النثرية . والشاعرة في هذه المجموعة تخلصت من اللغة التقريرية القريبة من السرد التي كانت في مجموعاتها السابقة، ونرى في هذه المجموعة لغة مكثفة مختزلة قادرة على الوصول الى المعنى والتأويل دون الاسترسال والسرد الطويل، شذبت الشاعرة أطراف النص وأثثت لقصيدة حدائق ملونة بعيدا عن الاحراش التي تضر أحيانا بالبناء الفني للنص ( قصيدة النثر ) وأحيانا حتى التخلص من هذه الزوائد لا يضر المعنى شيئا ويكون التخلص منها هو جمال و مزيد من المتعة الشعرية . إذن عرفت الشاعرة في هذه المجموعة كيف تكون متغيرة وكيف لا تقع في التكرار الذي يعتبر – جريرة- لدى بعض النقاد يقع في مصائدها الشاعر، نلاحظ نصوصها ( الومضة ) في القصائد الأخيرة من المجموعة التي حملت عنوان ( بورتريهات العتمة ) ، متضمنة 31 نصا قصيرا مختزلا : تقول في (طموح ) : لا ارغب في تسلق الجبال / ولا الوصول للقمر/ كل ما اطمح اليه / نزع الشوكة المستقرة/ في كبدي من زمن الخلق !! وفي نص (قنفذ ) تقول : يشهر اشواكه / للعابرين / حين يعبرونه / ويغرسها في جلده / حين ينام في لحظات اليأس / أتحول منجلا / أجز أعناق الغابات / كي أمنعها من مطاولة حزني * تكرار لفظي وإذ ترغب الشاعرة في الذهاب الى مناطقها اللامورائية للنص فانها تكرر بعض الالفاظ بهدف لفت الانتباه والسير الى أدغال المعنى، وتؤكد بذلك ما يجول بأعماقها وفكرها، هذا التموسق الذي يدخل النثر في إيقاع جميل نستشعره حين نقرأه ، ونحن نعرف ان قصيدة النثر بلا وزن ولكن الشاعرة صنعت ايقاعها الخاص من خلال تكرار لفظي يدخلنا كما أسلفت الى غابات الحنين والى تسمية الأشياء في ذاكرة الرمل . هاقد ودعتني المرايا / ها أموت بلا أجنحة / ها أموت بلا قارب يشد خصري على نخلة قرب الموانىء / ها أجيء بعد اللهاث بأغنية / وبغابة من حنين / ها أنا غافة تورق بين لونين هكذا…./ هكذا…. / مستوية على وجعي/ أعِيدُ تسميةَ الأشياءِ فى ذاكرةِ الرملِ / أرتِّبُ حِفنةَ الهواءِ فى رئتيَّ نفساً نفساً/ وحيثُما أنا أكون ملتوية كلحنِ النايِ الحجريِ فى مسامِ الصحراءِ/ منشطرة كشمسٍ فى ظهيرةِ كسوفٍ / ولا أحد .. لا أحد/ ينسى يديهِ على حافةِ الغربةِ/ أو شفَتَيْهِ بين يديّ لغةٍ غيرَ مترجمةٍ / والطريقُ طويلٌ/ فمتى تنقصفُ هذه الغصونُ الباهتةُ/ والأوراقُ الصغيرةُ . ومن سيضم آلهة الخوف المنزوع الرقعة من جسد العاشق / ومن / ومن / من ؟ ربما ! وبعد ان تتصدع أوردتك من شدة الوهن / ربما حينها سيقف التاريخ / وربما تتحول الى حائط منسي / ربما ستحاول أن تجمع بخورك المسافر / ربما ستشرب قهوة محلاة بماء الورد والزعفران * * * · النداء في النص الشعري تستعمل الشاعرة ياء النداء وأيها هذه الضمائر التي اعتدنا سماعاها في الخطب والقراءات المنبرية ، الشاعرة توظفها بغرض التأكيد على فعل الشيء وتركه ، ورغبة منها بلفت الانتباه .. كما جاء في أحد نصوص محمود درويش( أيها العابرون في كلام عابر ) تقول الشاعرة في نص ( ردى ) : أيها الذاهبون لا موت يصلح للبقاء ، فاذهبوا وفي نص ( بقع على جسد الليل ) : أيها القاتمون كوجه العتمة / رويدا / فكلي يئن تحت ولع الانتظار يالله / انهم يذيبون الملح في البحر من نص ( هكذا يبدأ الكلام ) عم مساء أيها الحزن !! سلام أنيق أيها البحر !! أيها الحلم الرافل في قيوده الفستقية !! / أيها الظل المنكسر على عتمة الليل كجثة ضمها الموت اليه بقوة / أيها المنشده للقادم كرب يعرف متى يتأجج العشق *** *العناصر تحيا
تلاحق الصور الشعرية في نص فاطمة الشيدي يجعل المتلقي في حالة قلق من الإمساك بالمعنى الذي يضمره أو يريدنا الذهاب اليه في (النص)، وإلصاق صفات حية لمفردات الطبيعة والجمادات تجعل من النص كائن يتنفس / يغضب/ يموت/ يدفن / يجوع / يحفر، وغيرها من الصور التركيبية على المفردة العادية التي نلمسها ونراها ولا تفعل كل ما تفعله في هذا النص ، تأخذنا الشاعرة بلغتها وصورها البلاغية المبتكرة الى عوالم تأويلية بعيدة ، انها نصوص روحية تخلق في المكونات روح تفرض علينا واقعها ، تماما كما في الميثالوجيا حيث تتكلم الشمس وتتعرى وحيث البحر شيخ غاضب والشجرة عجوز ترمي بثمارها الانسان .
أنه ابتكار المخيلة وخصوبة الخيال والحضور إلذهني في الصاق الصفات و الحياة على الأشياء بزخم شعري يحمل سمة مختلفة : أفقأ عيون الطيور كي لاتراني السماء /أغمض أجفان البروق بعصابة سوداء / أتصير أجراسا تنعي الحكاية / أشد التعاويذ من شعرها / الصدى يحفر / السماء تجلس عارية على مفارق أيامهم *** · حضور البحر ( إذا كانت كلّ الأنهار من مياه عذبة، فمن أين يأخذ البحر ملحه؟ ( - بابلو نيرودا *- بما أن ذاكرة الشاعرة محملة بطبيعة المكان الأول لها وهو ساحل الباطنة كونها من سكان مدينة بحرية، فالبحر يحضر بقوة في نصوص الشاعرة وإن أرادت التخلص من انبعاثه في اللاوعي لكنه يسكنها تماما فهو الصديق وهو العاشق وهو الأب وهو الوحيد الذي يستقرأ مراحل طفولتها وحزنها وجنونها، وفي نص (تيه ) يؤكد قرابة الصلة بينهما : سكن البحر فضول ملامحي الحادة / سكنتني سحنته المحلاة بالملح / استماتت بين فجوة عيني الفصول / وكنت النخلة التي تحاذي البحر / لا طاقة لي الآن على سمرة المنفى وفي نص ( هكذا يبدأ بالكلام ) : سلام أنيق أيها البحر !! / جسدك الأزرق أرجوحة يتيمة للغيم / قافية حبلى بالغناء المسال تقول في ( جفوة ) : أتنحى عن البحر / أعبره بلا قدمين وبلا عينين/أهرب منه / أخشى أن يقرأ أحزان ذاكرتي الخربة / المورقة بالخذلان الشهي !!/ فيفيض دمعه على الشطآن!! ينسبني البحر اليه / ابنته / زوجته / او ابنة خالته الصحراء/ التي عشقته من زمن الخلق / كي تقاوم مد الحرقة · التشبيهات والاستعارة : فاطمة الشيدي لديها قاموس لغوي كبير حيث أنها تجدد في استعاراتها وتشبيهاتها بلغة مختلفة كل مرة وهذا ما يجعلنا نتساءل ونحن نقرأها : ياللغة كيف تستحضر الشعرية والفكرة واللحظة والصورة الشعرية بشكلها المختزل ؟ هذا ما يخفق فيه بعض الشعراء أحيانا، واللغة ليست شيئا نتعلمه بل شيئا يحدث لنا عند تشومسكي، و الشيدي تصدمنا في كل قراءة حد اللهاث والشهقة ، فمثلا : الوجع الأرعن / الغربة تمد شهيقها / الحواة يفرقعون أصابع الجلبة / الوطن القيح يخلع قدميه / الاقدام تنمو كالفرح / أصابع كيد يتقافز كغزال / يلتف بخيوط الفجر كجنين جاف في بطن لغة عذراء / الغوايات الفارعة كـ كعوانات تعانق الغروب / ذهب كما جاء ..أسمرا وساخنا كرغيف يحن له الجياع / المعاني لعبة الفقراء / خفيفا جدا كآخر الاشباح الذين تتقاطر وجوههم الملفعة / طويل كغابة / وجهه مربوط بتلابيب الصمت في روحي ) وغيرها لا تخلو قصيدة من قصائد المجموعة بزخم من التشبيهات والاستعارات التي تعطي جمالية وفنية للنص الشعري . * الانكسارات والخرائب وككل شاعر يحمل همّه الانساني، يتمرجح مع أقل نفحة ، وينكسر في صراعاته مع العالم والآخر ، تدمّره الأحزان والخيبة وتضعه في سكنه كقوقعة الا أن يخرج منه على شكل خاطرة أو بوح ، الشيدي خلال نصوصها الممزقة ثمة سوداوية بين كل فرح وجرح ، رغم اللمسة التفاؤلية في نصوصها المنكسرة أيضا ، هل هي شخصية الشاعرة التي تهذب أحزانها بصورة ملائكية حميمة ، يقول اكتافيوباث : ( الكتاب العظام هم الذين عامدوا على الكشف عن الإنسان كعمق و انكسار الإنسان الإشكالي مع نفسه ) . تقول الشاعرة في نص ( حشرجة المسافة ) : أجيء .. صرخة تفتت عضد السماء / توهن كيد الأرض /ترشق المسافات بحمى الوهن أنا طاقة العبث / مسحة البوح / المرآة … اللغة/ ضيعت وجهي في خرائط المعنى / فتهت ملتوية كلحن الناي الحجري في مسام الصحراء / منشطرة كشمس في ظهيرة كسوف / ولا احد / لا أحد / ينسى يديه على حافة الغربة ) تغريه لعبة الألم في أشكالها المتعددة / الفرح ألم /والحب ألم الخيانة .. مفردة تتكرر في نصوصها النازفة وكانها ترفض واقع ما وتحاول نسيانه بذكره المستمر : لخائن الخيانة بين يدي وطن لا يصلح إلا أن يكون نخبا ؟ أيها الخائنون كموتي : تخونني ذاكرة الصيف / وأطفال الرعب جثث تطفو بين يدي

تعليقات