التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

مراود الحلكة للشاعرة العمانية فاطمة الشيدي

محمد الأصفر العرب أون لاين، 25/4 /2008

الشعر فى عمان يشهد فترة خصوبة وتجدد وارتقاء خاصة فى مدونته النسائية الجانحة دائما إلى التجريب البسيط والغوص الباطنى فى أعماق الأشياء المحيطة والماسة لقلب الإنسان.. تبهجنا وسط هذه الإطلالة الشعرية الجميلة الشاعرة فاطمة الشيدى بإصدار ديوان جديد اختارت له من العناوين: مراود الحلكة..
ولا أدرى معنى كلمة مراود هل هو المرود الذى تكحل بواسطته العيون أم أنها تعنى مراودة الحلكة أى مراودة الظلام عن سواده أو بياضه الدفين.. وأعتقد أن تكحيل العين بالمرود هو المقصود.. الشاعرة فاطمة الشيدى عرفناها قاصة وناقدة وشاعرة وذات زخم وفعالية فى معظم الصحف والمجلات العربية الثقافية وأيضا على شبكة الانترنيت وهذه الشاعرة لهل اطلاع دائم على الإنتاج الأدبى العربى فى كل انحاء الوطن ولعل كتابتها مقدمة مجموعة القاص الليبى حسن بوسيف لعبة الاستمتاع بالخيال تؤيد ذلك.. حيث جاء تقديمها قراءة أولية عميقة لنصوص بوسيف التجريبية والمتكئة كثيرا على أجواء ميلان كونديرا والتى تحتاج إلى موهبة وتركيز حاد وثقافة سياسية وأدبية من أجل مقاربتها والإحاطة بها.
تقول فاطمة الشيدى فى ديوانها الجديد مراود الحلكة: هكذا…./ هكذا…. / مستوية على وجعي/ أعِيدُ تسميةَ الأشياءِ فى ذاكرةِ الرملِ / أرتِّبُ حِفنةَ الهواءِ فى رئتيَّ نفساً نفساً/ وحيثُما أنا أكون. * * * ملتوية كلحنِ النايِ الحجريِ فى مسامِ الصحراءِ/ منشطرة كشمسٍ فى ظهيرةِ كسوفٍ / ولا أحدلا أحد/ ينسى يديهِ على حافةِ الغربةِ/ أو شفَتَيْهِ بين يديّ لغةٍ غيرَ مترجمةٍ / والطريقُ طويلٌ/ فمتى تنقصفُ هذه الغصونُ الباهتةُ/ والأوراقُ الصغيرةُ. * * * منذ زمنٍ والأقنعةُ تتاجرُ بي/ فى مزاداتِ الليلِ الأبلهِ/ والحرقةُ تحتكرنى دينارا فى حصالاتِ اليتْمِ/ عمياءُ هذه اللغةُ التى تَضَعُ/ كمامات الحرفِ على صدري/ منفتحة كالحلمِ على كلِ الاحتمالاتِ/ إلا على شيءٍ/ يشبهُ سيرةَ الماءِ فى ساقيةِ الغَبَشِ. * * * لجةٌ تدلكُ قدميَّ الفجر/ تغسلُ جبتَهُُ الخضراء/ راهبٌ لملمَ جدائلَ السَمرِ من آفاقِ الحكايةِ/ فاستفاقَ الظلِ * * * ولعل مقاطعها السابقة لا تحتاج إلى تعليق فهى تفصح عن شاعريتها وعمقها وتوغلها فى الجوانى منتج الدقات والنبض والذى نسميه قلبا.. وأجد اقترابا كبيرا منها من أجواء شاعرنا الكبير عبدالسلام العجيلى وأجواء شاعرنا مفتاح العمارى أيضا وعاشور الطويبى وهذا الاقتراب والتلاقح هو أمر طبيعى فى ظل انتشار النصوص خاصة ذات البعد الانسانى وغير المرتهنة بمكان معين من قريحة إلى أخرى ومن إلهام إلى آخر. فالشعر أعتقد انه طائر جميل ينقر حبه من رؤوس الشعراء ويخلف جراحه التى ستنزف حتما على الورق لتخلده. كذلك لقراءة الأدب العالمى دور كبير فى صنع أشعة تربط بين الشعراء وتقربهم جميعا إلى بوثقة الإنسانية ونواتها المنيرة الخيرة.. أى تقربهم من المشكاة التى نسميها استعارة النار أو سرقتها أو تحمل لهيبها من أجل إبداع جملة صالحة للنقش على جدران العدم كى يحيا ويصير شيئا. يقول الناقد المصرى ناصر أبوعون فى مقالته حول الديوان: فاطمة الشيدى فى هذه المدونة ترتكب فعلا شعريا انقلابيا فى ركن قصى من المدونة العربية الحديثة، إنها تسعى الى مصالحة الشعر مع المتون ثم تطويقها او تفخيخها بنيران الشعر مبرهنة للقارئ التقليدى والمتمرّس فى آن واحد على أن النص شكل هندسى يمكنه أن يكون متحولاً ومختلفاً، وهذا الاتجاه دعا اليهجمال باروت الذى يرى أن الانواع الشعرية الجديدة قابلة للتوصيف من دون رهنها للشكل، وهى لمّا تزل فى مرحلة تحول. لقد كان التحول سمة التطور الثقافى والجمالى الشعرى فى القرن العشرين فى ثقافتنا العربية، لكنه تمركز دوماً حول مراكز معيارية، بينما فضاء القصيدة اليومية بتفرعاتها المتعددة والمفتوحة لا تطرح نفسها مركزاً معيارياً للجميل او للشعري، فهى قد تشكلت على هوامش المراجع الكلية الحاكمة والموجهة، واخترقتها وتمكنت من الخروج منها والمرجع الكلى ميتافيزيقى بالضرورة لأنه غائى هذا هو مبدأ الميتافريقا، وحين ينهار هذا المرجع ينبجس النثرى او اليومى لنكون فى عالم المصادفة وليس فى عالم السببية، وفى عالم التشتت وليس الوحدة، وفى عالم العابر وليس الماكث المستقر. وهذه هى حيوية الحياة نفسها.
نبذة مختصرة عن ديوان فاطمة:
أن نقول إن الديوان جاء فى 112 صفحة من الحجم المتوسط، وعن منشورات وزارة التراث والثقافة العُمانية بمسقط، صدرت المجموعة الشعرية الثالثة للشاعرة العُمانية فاطمة الشيدى بعنوان مراود الحلكة بعد مجموعتين هما هذا الموت أكثر اخضرارا دار الرؤيا مسقط 1997، خلاخيل الزرقة دار المدى، دمشق 2004. ونصوص المجموعة كتبت بين عامى 2003- 2006، ولوحة الغلاف من تصميم التشكيلية العمانية سميرة اليعقوبي، وقد قسّمت المجموعة إلى قسمين الأول: نذر الغياب: ويضم ثلاثة عشر نصا طويلا منها منها تيه وبقع على جسد الليل وهكذا يبدأ الكلام و شبح يرشق بى الغياب وحشرجة المسافة ومراود الحلكة وفواصل الوهم.. وقد نُشرت بعض من هذه النصوص فى الدوريات والمواقع الثقافية الإلكترونية.

تعليقات