حوار عبد الرزاق الربيعي
*كيف بدأت علاقتك مع الكتابة الشعرية؟
لاأعرف حقا كيف بدأت علاقتي بالشعر! لكن لعلها علاقة ملتبسة نولد بها، يسميها علماء النفس الاستعداد، وأسميها شهوة الخلق، أن تولد وبك رغبة لغوية في تشكيل كون خاص بك، كائنات تعنيك، أرضا وسماوات، بحار وأنهار، صحار وحقول من لغة، أكثر فداحة في اللون، وأشد شدة في الليونة، وفي الرائحة والحرقة، وربما أقل في الارتفاع والانخفاض فهذا الكون قد لايهمك كثيرا، كون آخر تغيره بين فترة وأخرى، تضيف لكائناته بياضا وتمسح الكائنات السوداء ببمحاتك الطيبة، تحرك الغيوم بيديك بين فترة وأخرى لأنك كثيرا ماتحتاج المطر، وتدغدغ البحر بأصابعك ليضحك وهو يغازل سمكاته الملونة وقناديله الضوئية، وتغمز للنجوم حين تسرف في الهيام في عشق القمر، وتشكّل تنهداتها قصائدا بظلال وافرة تصلح أن تمد تحت جفونها مراجيحا لكل أطفال العالم، وتقص أطراف الليل لتهبها لغواني الحلم لتصبح بشعر أطول أكثر جاذبية وجمالا، كون مرتبك بتمادي الزرقة والاخضرار فوق جفونه। هكذا حدث معي، فمنذ وقت مبكر شعرت أنني أشعر بالأشياء بشكل خاص، بشكل ينبغي أن يأخذ شكل يمكن استعادته بشكل آخر، ولأننا كـ شعوب عربية مأخوذة بالشعر، لذا فلابد أن تكون المحاولات الأولى معه، ذلك العاشق المغرور، وربما مع الزمن ننحو منحى آخر، لهذا كتبت قصائدي التجريبية أو التخريبية في سن الطفولة المبكرة بشكل جاهل ولذيذ، ليس كنص ولكن كمحاولة لترسيخ فكرة الشعرية أو الخلق داخلي، وهكذا تورطت بعدها في فكرة الكتابة، لتتخذ شكل علاقة محكومة بمؤخر الطلاق الفادح الذي لا أملكه ولعل الموت سيحل هذه المشكلة يوما।
* ماذا عن سنوات التكوين ؟والمؤثرات الاولى؟
سنوات التكوين كانت طويلة جدا، ببساطة كان كل شيء يدخل معمل الروح والذاكرة في حالات من الغياب والتيه، أو حالات التأمل الطويلة حد البلاهة وشبه الغياب عن الكون السائر في سيرورته، دون الانتباه لطفلة غير مقتنعة بقوانينه تماما، طفلة تحيا بنصف وعي وتسرّب الأشياء والأمكنة والوجوه للمعمل الداخلي (اللاوعي) لتعيث فيها فسادا وتشويها وتلوينا بحرفة دودة القز، التي تعيد صياغة الأشياء لتنسج قطعها الخاصة। كانت طفلتي صامتة بحدة الرفض وفاتحة فاهها بدهشة الغربة القصوى للكون، كانت تتأمل كل شيء، وتعيش الصور لتخزينها في ذاكرة الشعر، من الجد البحار الذي كانت أشرعته المنفوخة تلهب الذاكرة بصدى اليامال، والقهوة والزنجبيل المجلوب من زنجبار، وحلوى دلمون، وعرائس الصوف، والجدة الحنون التي تشبه أصابعها أصابع الساحرات التي تنير الأمكنة والأشياء بلمسة، والأم بظفيرتيها الشقراوتين وعيونها العسلية التي تصلح أن تمثل دور العاشقة العمياء على خشبة مسرح تنثر المعاني قصيدة خاصة تقرأ بلا لغة، والأب الشاعر الذي يقرأ شعره (الذي لانفهمه) في أمسيات الشتاء على ضوء السراج ورائحة اللبان والقهوة المفعمة بالهيل،بالإضافة إلى مواسم الأعراس والموالد، وطقوس الزار، والبحر وصيد السردين، وزفة البوم والفرح المصاحب للأطفال فيها، بيوت الطين الأشبه بقلاع الرمل على شاطئ البحر، فرح النسوة الوحيدات في منازل هجرها الرجال لطلب الرزق بالمطر، وحلقات الحزاوي(الحكايات) حول دفء المواقد في الشتاء، سنوات التكوين الأولى هي تلك التفاصيل التي أثثت الذاكرة بصور شعرية خاصة، تصلح لأن تكون مفردات قصيدة خاصة، والكتاتيب، وحلقات دراسة القرآن الكريم واللغة العربية، والأب القارئ الحكيم بنظاراته الكبيرة وجديته المسرفة وحكمتة التي يرتويها من كتاب يتباهى به في يديه حتى في نومه كمعيار للاختلاف كأنه قادم للتو من بيت الحكمة ببغداد في عهد المأمون، ومكتبتة الواسعة بكل امتداتها المعرفية والتراثية اللغوية والفكرية، ورغبته في دس ثقافته في عقول صغيرة ولو بقسوة، هي المؤثرات الأهم।
* منذ سنوات وانت تواصلين دراستك العليا لنيل درجة الدكتوراه في آداب اللغة العربية هلا حدثتنا عن هذه الرحلة؟
بدأت هذه الرحلة مع بدايات 2004 في آداب اللغة العربية، ولكن وبعد أن قطعت شوطا في البحث، ومع بدايات 2005، غيرت مكان الدراسة والتخصص إلى اللغويات أو اللسانيات البلاغية والأسلوبية، لأنني أردت أن أكتسب شيئا جديدا وأن تكون رحلة كتابة الرسالة هي حالة اكتساب معرفية حقيقية، وإن شاء الله تنتهي هذه الرحلة مع هذا العام 2008. *
الم يعطل هذا الانشغال انصرافك للكتابة الشعرية؟
بالطبع يصبح الأمر أشبه بكفتي ميزان،ولابد أن ترجح أحداهما بين فترة وأخرى، لذا تأرجحت الكفة خلال هذه السنوات بين الشعرية والدراسة فكنت أغلّب أحداهما على الأخرى بين الفترة والأخرىـ حسب حالات المزاج الشعري أو أولويات البحث والدرس
. * كناقدة وباحثة كيف تقيمين تجارب شاعرات جيلك في السلطنة أولا والخليج ثانيا والوطن العربي ثالثا؟
أعتقد أنه توجد تجارب شعرية نسوية ناضجة وحقيقية وذات مستوى شعري فني مائز في كل قطر عربي بما فيها السلطنة (كما يوجد تجارب غير ناضجة، وحالات كتابة خارج التوصيف)، ولكن حتى الآن يمكننا عد هذه التجارب (الناضجة والحقيقية) في كل بلد، واحصائها، بيسر مما يعني أنها دون مستوى الحلم كمًا، وأنها متفرقة قد لا تمثل ثقلا فنيا جديرا بالجمع والدراسة مثلا، إلا في حالة تجاوز فكرة الكم أصلا، ولكن يمكنها أن تكون كمشترك عربي ظاهرة جيدة صالحة لأغراض الجمع والبحث والدراسة، فلا كثير تباين في المجتمعات العربية، فهي متشابهة في إحتكاماتها المجتمعية ورهاناتها المعرفية، وسيروراتها الثقافية، ورؤاها السيكولوجية. *
منذ بداياتك وانت تكتبين قصيدة النثر هل وجدت في هذه القصيدة المجال الارحب للتعبير عن خلجاتك الذاتية ام انك كتبت الشعر على الطريقة الكلاسيكية والتفعيلة ثم انتقلت تدريجيا الى قصيدة النثر ؟
لأن النقطة الجيدة للبدايات الحقيقية في الكتابة هي لحظة إيمانك أنك بدأت تكتب نصا جيدا، لذا فسأقول أنني إذن بدأت من قصيدة النثر، ربما ببساطة لأنها الأقرب لحالة الخلاص التي أبتغيها حين أكتب نصا، ولديها القدرة على أن تجعلك تكتب نفسك وفقها خالصا، حقيقيا غير متشابها مع غيرك، وهذا ما لاتملكه الأشكال الأخرى، لأنك ببساطة متماثلا مع الجميع منذ البدء في أساسيات النص وهو الالتزام بالشكل، ومع هذا كانت لي محاولاتي المتدرجة في التصاعد نحو مغايرة النص شكلا ومضمونا، وقد استغرقت من عمري عمرا ومن نصوصي بعضا. *
هل انت راضية عن مستوى المتابعة النقدية لعملك الاول؟
المتابعة النقدية تحتاج حالة تسويق جيدة للعمل، وأعتقد أن هذا مفتقد لدينا في عمان كثيرا، لازلنا نحتاج الكثير من الاشتغال على هذا الناحية، فالتسويق للإبداع وللمبدع ليس عيبا، بل مطلبا فنيا، فنحن في النهاية نكتب لنقرأ. *
كناقدة هل فعلا توجد ازمة نقدية كما يرى الشعراء والكتاب؟
نعم هناك أزمة نقدية كبيرة، وفي عُمان هذه الأزمة أكثر حدة ووضوح.
*ماسبب هذه الازمة؟
لها أسباب عديدة مثل قلة عدد النقاد مقارنة بعدد المبدعين والأعمال الإبداعية، ربما لأن النقد قائم على الدراسة والتخصص والمنهجية، وليس فقط على الموهبة والاشتغال عليها كالإبداع، بالإضافة إلى تحيز بعض النقاد، وعدم متابعتهم الحقيقية والمكثفة للأعمال الجديدة، وميل بعضهم للأقلام المتحققة ربما خوفا من المغامرة بتقديم أسماء جديدة,, الخ
*كيف يمكن معالجتها؟
لايمكن الجزم بآليات الحل، هي في النهاية مسألة ليست مؤطرة، فهي تحتاج وعي ثقافي جمعي بقيمة النقد في تقديم العمل، وفي وصوله، كما تحتاج وعي الناقد بأن قيمته الحقيقية تتحقق بمتابعاته للإبداع وللمبدعين، وأن النقد ينبغي أن يكون متجددا في آلياته وأدواته وفي مادته، كما أن على المؤسسات الثقافية أن تتصدى لمتابعة الأعمال الجديدة ومد الجسور بين المبدع والناقد من خلال ورشات العمل النقدية، وتحفيز النقاد لقراءة الأعمال الجديدة . كما يمكن للمبدعين سد هذه الثغرة، بالمتابعة والكتابة عن الأعمال الجيدة للتعريف بها على الأقل وتقديمها للمتلقي.
هل نصك يقر بابوة لتجربة من التجارب الشعرية التي سبقتك ؟ وهل انعكست تلك التجارب على نتاجك الشعري ؟
لا أعتقد ذلك ، وإن كنت أؤمن بمقولة أن الأسد هو مجموعة من الخراف المهضومة، وعلم اللغة الحديث يرى أن النص هو مجموعة من النصوص السابقة، وهي فكرة التعالقات النصية، أو التناص الضمني، وهي بشكل آخر فكرة هرمية المعرفة، فكل مبدع هو نتاج تكوّن ثقافي جمعي وربما أممي، جغرافيا، وتاريخيا، ودينيا، واجتماعيا، وكل هذه المكونات هي مدخلات معرفية، والنص هو مخرجات هذه المعرفة، فأنت لاتكتب ولاتبدع من نقطة الصفر، أنت تبدأ من حيث انتهى الآخر، فلاشك إذن أنك تأثرت بكل ماعشت وقرأت، وانعكس كل هذا على تجربتك الإبداعية.
*هل كتبت نصا مجاورا للنص الشعري؟ واي الاجناس الادبية اقرب الى نفسك؟
نعم كتبت السرد، والنقد، والمسرح والكتابات النثرية والمقالات، والرواية هي أقرب الأجناس الأدبية لي، بل هي أكثر ماأقرأ. ولماذا؟ لأن الرواية هي جماع الأجناس الأدبية، سيما المدججة بلغة شعرية، أنت في الرواية تقرأ الفنون جميعا، بل تعيش جمال اللغة والفكرة والعاطفة في عمل واحد، وقد تجد المسرح والسينما أيضا، سيما في روائع الأعمال الكبرى.
*بماذا خرجت من تجربة (إقامات الابداع) في الجزائر؟
خرجت مؤمنة بالإنسان وبالشعر وبالصداقات الإنسانية، مؤمنة بأثر الإبداع في مد جسور التواصل بين كائناته الجميلة خارج أطر الجغرافيا. كما أن الإنسان الجزائري بابتسامته التي تعانق الحياة رغم كل الصعاب، وانفتاحه على الحياة، بوعيه ورقيه الجميل وإنسانيته المفرطة يعلّمك معنى الجمال الإنساني الغير مكتظ بالعقد، الجزائر حالة عربية خاصة قادرة على جعلك تتواطئ معها بحب وبهجة. *
للنشر الالكتروني مساحة واسعة من تجربتك, هل لأنه خارج اطار الرقابة ؟
نعم لتجربتي مساحة من النشر الالكتروني، ولكني جئت للنشر الإلكتروني وقد تشكلت تجربتي نوعا ما، فقد كتبت ونشرت ورقيا من التسعينيات من القرن الفائت، وكان حضوري الضوئي في بدايات الألفية الثانية، كما أن اقترابي من عوالمه لا علاقة له بالرقابة لأنني ببساطة لاأكتب مايحفز مقص الرقيب، ربمالأنه نبت داخلنا رقيب وهذه مشكلة في حد ذاتها. ولكن ارتباطي به لاعتبارات أخرى، أهمها أن الضوئية ألغت الجغرافيا لذا فالنص يكون مقروءا في أي مكان في العالم، وهذا يوفر قراء أكثر تنوعاواختلافا، وحضورا أشمل لنصك، وهذا مالم يحققه الورق فقد يكون الشاعر أو الكاتب معروفا في وطنه ولكن لم يسمع به أحد خارجه. كما أن سهولة وسرعة نشر النص، بضغطة زر، دون الحاجة لإرسال مادة وانتظار ظهورها وقتا، حسب وقت الصفحات الثقافية مثلا، وقد تخضع لمزاجية المحرر، مغرٍ بصدق وحقق رواجا وانتشارا للنشر الالكتروني. كما أن تسارع المعرفة وسرعة رتم العصر في كل شيء لاشك يجعلك غير قادر على تجاهل هذا الحضور الالكتروني وإلا أصبحت من الكائنات الراكدة. *
هل لديك طقوس للكتابة اعتدت على مزاولتها؟
لا بالعكس فالكتابة هي التي لها طقوس تزاولها في دمي حين تقرر فجاة أن تربكني بحضورها، أنا لا أهيئ ذاتي لأكتب أبدا، ولكنها تفعل ذلك معي بجرأة ووقاحة أيضا، خاصة بالنسبة للنص الشعري وبعض الكتابات النثرية الشبيهة به، ففجأة أشعر بي معطوبة وغير صالحة للحياة، أشعر بي منكسرة، مرهقة، ممتلئة بشيء ما كالقيح، السم، الألم وقليلا جدا كالفرح، أعيش حالة مخاض قصوى تتطلب عزلة قاسية، مع حالة حادة من القلق والرعشة والفوضى ولا حل إلا في الكتابة للتخلص من ذلك المولود الحارق الذي يأتي نصا موجعا جدا، أرتكبه لأهدأ واستريح بعدها غير راغبة في رؤية هذا المولود لفترة، ربما نسيان ألم ولادته ومعاناتها، وحين أعود إليه أفرح عادة به وأهيأه بقليل من المعالجات للظهور.
* فاطمة …بماذا تحلمين ؟
آآآآآآآه/ الحلم.. أعتقد أن الحلم مفردة قاسية جدا في زمن الاحباطات هذا، ومع هذا هو خيارنا الأوحد. لذا فأنا أحلم بالسلام الداخلي والتوازن الخارجي. أحلم بأن لا تخونني قدراتي الإنسانية يوما على الحب الكثير والفرح الكثير والحزن الكثير والنقاء الكثير. أحلم أن تتحد الأسماء بالمسميات؛ فيكون الإنسان إنسانا، والأشكال بالضامين فتكون الألوان حقيقية؛ الأبيض أبيضا والأسود أسودا. أحلم باتحاد العلة بالمعلول فيكون الهدم للبناء، والتخريب للتجريب. أحلم بتجاوز الأشياء لتفاديها تماما لا لرؤيتها من بعيد. أحلم بالنظر للأشياء الخارجية من داخلها، والداخلية من خارجها. أحلم بطفولة هذا العالم ليكون أكثر تساؤلا ودهشة، وتأنيثه لأن ذلك خيار الجمال الأوحد. أحلم بأن أظل أحلم وأكتب أو أموت
Translate
مساحة لتدليل غواية الحكي، ونبش ذاكرة الوقت 💚☕
تعليقات