التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الأديبة في الخليج تختبئ خوفا من إثم والظهور

أجراه الصحفي والكاتب الفلسطيني مهند صلاحات لـ صحيفة الأيام 6/12/ 2007
ماذا أرادت فاطمة أن تقول لقارئها من خلال ديوانيها هذا الموت أكثر اخضرارا وخلاخيل الزرقة ؟
أردت فقط أن أفصح عني قليلا، عن حرقة كائن هش في زمن رماديٍ قاسٍ، أردت أن أسجل اعترافات كائن غريب أو مختلف (ليكن امرأة لأن هذا سيزيد الطين بله) في مجتمعات قطيعية لا تؤمن بوحدة وفردية الكائن، ولا تعترف بالاختلاف، وليس للكائن الغريب سوى الفرار باتجاهات خاصة جدا كالحزن والكتابة والبحر।

في ظل ثورة الاتصالات والإنترنت وظهور كتاب بأعداد كبيرة جداً أصبحوا يكتبون وينتقدون كل ما يصدر، هل تعتقدين أن هذا من إيجابيات النقد الحقيقي أن مأزقه ؟
الحقيقة أنا دائما مع ضرورة الكتابة النقدية، لأنها ببساطة جناح الكلمة التي تحلّق بها صوب الظهور وصوب القارئ، والأصل أن يقدم هذه الكتابات النقدية نقاد لديهم ملكات النقد وأدواته، ولكن حالة غيابهم الحادة( وهذا هو مأزق النقد الحقيقي) أفرزت حالة كتابة نقدية جمعية في أوساط الأدباء، وغالبا ما تكون حالات صداقة مع النص والناص، ولاضير من ذلك حتى لو كانت هذه الكتابات دعائية أو عدائية، فهي مجرد ضوء باتجاه النص، والقارئ يملك من مفاتيح الحكمة والدراية ما يمكنّه بعد التعاطي مع النص تقييمه وفق رؤاه وثقافته ।

كيف تقيم الشاعرة والأديبة فاطمة الشيدي تجربة ما يمكن أن نسميه الإبداع النسوي في الخليج العربي وفي عُمان تحديداً ؟
عادة لا أميل إلى استخدام هذا المصطلح، ولكن وفق مدلولات السؤال بالاتجاه نحو ما أفرزته الأقلام النسوية في الخليج وفي عمان تحديدا، فأرى أن الأدب النسوي في الخليج بشكل عام وأخص الشعر تحديدا، لازال دون مستوى الظاهرة كماً، ولكنه وصل إلى مستوى الإبداع الحقيقي كيفاً، ولعل الأمر عائد من حيث الكم إلى طبيعة المجتمع واختباء الكثير من الأقلام خوفا من إثم الظهور، في حين أن التجارب التي قدّر لها أسباب الظهور تجاوزت ذاتها بعناية، من خلال أخذها بناصية إرث الثقافة العربية والكتابة من مناطق توقف الآخر وليس من نقطة الصفر .
هل تعتقدين أن المؤسسات العربية الراعية للأدب والإبداع قد أنصفت المبدع العربي الحقيقي؟
لا أستطيع التعميم، ربما هناك بعض المؤسسات التي أنصفت المبدع فعلا، ولكن هناك أيضا مؤسسات خذلته جدا، وربما خذلت الإبداع بشكل عام أو خانته، من خلال ترجيح كفّة المتملقين من أنصاف المبدعين وتمريرهم بنياشين مزيفة، وطمر قصدي للمبدع الحقيقي كي لا يراه الآخر، وهذا ليس مطلقا ولكنه موجود في معظم الأوساط الثقافية العربية، لأن المبدع الحقيقي غالبا لا يجيد التزلف، والتنافق وهذا مطلب معظم المؤسسات الراعية .

ما هو تصنيفك لقصيدة النثر، وهل هي جنس أدبي مستقل أم أنها نوع من التجديد في الشعر العربي الحديث ؟
بل هي امتداد طبيعي لحركة الشعر العربي عبر فتراته التاريخية، ونقطة وصول طبيعية جدا للشعر في هذا العصر الذي لم يعد يعترف بالقوالب والجاهز والقديم والتقليدي في كل مسارات الحياة وفي الأدب أيضا। وحسب رأيي الخاص جدا فقصيدة النثر هي الشعر الحديث كله أو أغلبه، فخارج بعض قصيدة التفعيلة التي يقدمها القلة من الشعراء المميزين، الذين يكتبونها بشكل خاص يشبههم فقط، لا شكل آخر للشعر الحديث سوى قصيدة النثر، لأن ماهو خارجها، نصوص مكرورة أو مجترّة من مناطق الذاكرة المموسقة في ذاكرة الشعر العربي القديم والحديث، وهي متشابهة جداا حد عدم القدرة على قراءتها، أو نقدها أو المفاضلة بينها، أو حتى تبرئة ساحتها من التناص الكلي في بعض الأحيان، ومعظم تلك النصوص تخرج من رحم الشعر القديم بشكل متماثل معه دون أي إضافة شعرية تحسب لشاعرها، أو من عباءة رواد شعر التفعيلة لتكون محاكاة باهتة لأحد علميها نزار قباني أو محمود درويش.
هل يمكن القول أن هنالك انحسار لجنس أدبي ما على حساب أخر؟ مثلا الأدب الروائي في الخليج العربي تحديداً بعد صدور عدة روايات لاقت استهجان الجمهور والنقاد على حساب الشعر
عالميا الشعر يتراجع باتجاه الرواية، هذه فكرة لها رؤوس ناتئة ومدببة تجرح الشعر داخلنا وكثيرا ما نرفضها ولا نقبل التسليم بها، ولكن مهما رفضناها لاشك أنها تفرض نفسها كثيرا। كما أنني لا أرى (في عصر الانترنت) أي فرق في مسوغات الثقافة في أي جهة من العالم وليس في منطقة عربية(الخليج) عن باقي البلدان العربية الأخرى. إن ثقافة الصورة غيّرت موازين كل شيء، فأصبح العالم يحيا حالة دعاية وإعلان مذهلة، بشقيها السلبي والإيجابي، تدعمها المحطات الفضائية، وبذلك دخل الإعلان كل حيواتنا السياسية، والاجتماعية والثقافية أيضا! بل لقد أوجدت مؤسسات للقيام بحملات ترويج ودعاية للإصدارات الأدبية الصادرة حديثا، فالوضع الثقافي في العالم أجمع أصبح أشبه بسوق وكل يعرض بضاعته، والمستهلك( المتلقي) هو الوحيد الذي يحدد ما يريد وفق قانون العرض والطلب . بل إن الدعاية السلبية سواء كانت طبيعية أو موجهة أصبحت تقدم للعمل وتزيد نسبة المبيعات، أكثر من حالة تصفيق حاد من جمهور مثقف، أو قراءة نقدية إيجابية واعية من ناقد مبدع، مما دفع البعض إلى صناعة هذا الشكل من الدعاية القائمة على تهويل العيوب، وتقبيح النص بشكل مبالغ فيه ليحقق له شهرة، فصدور عدة روايات لاقت استهجان الجمهور والنقاد، لم يجعل الرواية تنحسر مقارنة بالشعر، بل العكس هو ما حدث، فذلك شجع الكثيرين حتى ممن هم خارج الوسط الأدبي، لاقتراف هذا النوع من الكتابات،وليس ظهور 41 رواية في السعودية وحدها في عام 2006 إلا دليل على ذلك.

ما رأيك بالحملات الإعلامية التي تروج للشعر النبطي في وسائل الأنباء والفضائيات والمسابقات المليونية له، وتجاهل الإعلام للشعر الفصيح ؟
إن ذلك يعود إلى وجود الفضائيات التي تهتم للربحية المادية- والتي تسهم هذه المسابقات النبطية في دعمها- أكثر من اهتمامها بثقافة الفرد والمجتمع، فتقارب المستوى اللهجوي في الشعر النبطي مع المستهلك (المتلقي) وتباين المستوى اللغوي في الشعر الفصيح الذي يحتاج ثقافة عميقة وجهد لفهم النص مع ذلك المتلقي، يجعل الشعر النبطي أقرب لروح هذه المسابقات ولروح هذه الفضائيات، وبالتالي لروح المتلقي الذي لا يهتم سوى بعنصر التسلية। وهذا الحال لا نسطيع أن نقيّمه إلا في ضوء ثقافة العصر المادية (والله المستعان ).
اعتبرت أن الكتابة عن شعراء جيل التسعينات في عمان محاولة بكر لاكتشافهم، فكيف بإيجاز تقيمين تجربتهم؟
إن كل جيل شعري هو امتداد للأجيال الشعرية السابقة له محليا وعربيا وعالميا ، فالأسد ليس سوى مجموعة خراف مهضومة، وجيل التسعينيات الشعري العماني هو امتداد للجيل الثمانيني في عمان والعالم العربي، إلا أنه كذلك تنازعته ثقافة شعرية عمانية كلاسيكية دينية، فلا يغيب عن أحد الأثر الجغرافي لعزلة عمان فترات تاريخية طويلة، وتواصلها مع ثقافتها الخاصة والتي غلب عليها الناحية الدينية الأصولية، والتراثية الأدبية، وجيل التسعينيين مع أخذه من هذين المنبعين بشكل متباين حسب ثقافة كل شاعر، إلا أنه كون ملامحه الخاصة من وحي تجربته ومعايشاته ودواخله المختلفة، مما أسفر عن تجربة ناضجة وحقيقية من خلال سماتها وملامحها الخاصة।
هل تعتقدين أن ما صدر من روايات خاصة تلك التي تكتبها النساء في الخليج العربي وأصدرت ضجة حولها وحول ما أسموه كشف المستور تعبر حقيقة عن روح المبدع الخليجي وما أراد عن يقوله عن مجتمعه ؟
لاشك أن هناك فعلا روايات انتهجت هذا النهج، وأرادت فضح قبح المجتمعات وخاصة فيما يتعلق بالمرأة العربية، وكان لها نية فتح الجرح بغية مداواته، ولعل هذا هو هدف الإبداع في أي مكان في العالم، ولكن أيضا؛ لعل نجاح هذه التجارب القليلة دفع البقية للسير في نفس الاتجاه، بتعميق حالات الفضح لدرجة دعائية للحصول على الشهرة والظهور . والمشكلة الحقيقية هي المتلقي ( المستهلك) الذي يصفق لكل هش ويدهش بكل منمق، ويحيا حالة انبهار بأي منتج سهل الاستعمال، كي لايجهد نفسه في الرقي لمستوى الحقيقة .
برأيك هل المرأة المبدعة في المجتمع العربي والخليجي على وجه الخصوص ناضجة بالقدر الكافي لتواجه أخطاء مجتمعها واضطهاده لها ؟
المبدعة نعم، ولكن متى يمكننا أن نطلق هذه الكلمة؟ وهل كل من تمارس الكتابة أو أمسكت ريشة أو قلما أصبحت مبدعة، بالطبع لا، إن حالة مواجهة المبدعة للمجتمع حالة تبدأ من الذات وتنتهي للآخر، فالإبداع ليس شرفا يُسعى إليه، وليس منصبا مدفوع الثمن، وليس حالة مباهاة، وليس قناعا للتخفي، وكل هذه الأشكال موجودة في مجتمعاتنا وهي أكثر من الإبداع الحقيقي سواءً عند المرأة أو عند الرجل .
هل حقا الكتاب الورقي في ظل ثورة الإنترنت ما زال يدر ربحاً على ناشريه ؟ أم أن هنالك أهدافا أخرى ؟
نعم الكتاب لازال يدر ربحا على ناشريه، لأن العقلية الثقافية العربية لازالت لا تؤمن إلا بالنص المنشور ورقيا، ويظهر ذلك حتى عند أكثر الناس استخداما للإنترنت، كما أن تقييم المبدع لا يكون إلا بكمية الكتب التي أصدرها، كما أن شراء الكتاب وتصفحه متعة لم يحققها النت
بما أنك تعدين الآن لرسالة الدكتوراه في اللغويات، هل يمكنك أن تخبرينا أين يكمن القصور في اللغة لدينا اليوم
القصور كان ولازال يكمن فينا نحن أهل العربية، لتطرفنا بين جهتين، إما أن نقول أن العربية لغة مقدسة (لغة القرآن، ولغة أهل الجنة)، فنتعامل معها كهيكل مقدّس لا يأتيه التغيير من بين يديه ولا من خلفه، ونرفض أن نطور أدواتها أو أي شيء يجعلها أقرب للعصر الذي نحياه، أو نقول أنها لغة متخلّفة غير صالحه لهذا العصر، عصر العلم والتكنولوجيا، وفي كلا الحالين نحن نظلمها، ونظلم أنفسنا والعالم بمختلف لغاته يتركنا في شقاقنا، ويطور أدوات لغاته ويعصرنها ويحبها، ويحاول أن يمدها لأكبر حيز جغرافي بلا تقديس ولا تأطير । هل حقاً كما يقال أن اللغة العربية قاربت على الانقراض، لتحل محلها اللغة العامية المحكية؟ المشكلة في رأيي لا تكمن في اللهجات (البنات الشرعيات للغة والتي غالبا ما تحوى أكثر70% من المفردات الفصيحة) ما يجب أن نخشى منه فعلا هو اللغات الأجنبية التي تتصدر حيواتنا كبديل أكثر قابلية للإحلال عن اللغة الأم، لولا تمسكنا بوعد الله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) سيما أننا في أقصى درجات التطرف كما قلت سابقا ، فبين أجيال رقمية ترى عصا الساحر ورموز الحرية في كل قادم من الغرب، وأجيال ثابتة أكثر حتى من الأرض التي تمشي عليها.

أين يقف المشروع الثقافي العربي اليوم ؟
هل هناك مشروع ثقافي عربي أصلا ؟؟!! حتى نسأل أين يقف؟؟ هناك مشاريع جزئية متفرقة وناقصة قائمة على عصبيات تغذّى ويروج لها، وهناك الكثير من المجاملات الثقافية. إنها أحلام فقط، ولكن حتى الحلم لم نعد قادرين عليه، فليس من السهل أن نرتكب إثما بهذه الفداحة وهو الحلم العربي في أي اتجاه !!
ماذا تريد فاطمة الشيدي أن تخبرنا به عن نفسها ؟؟
لاشيء ربما فقط كما قلت يوما (أجيء بعد فوات الأوان بقليل مزهوة بقدمي المنثنية الأصبع أمارس ندمي ضحكا وأنحت جنون الوقت فلسفة)، (سأجفف قلبي حتى يشفى تماما من عفونة المطر وسأهذي حتى يعترف بأني ثرثارة لاتجيد سوى الهذيان)!

تعليقات