التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
الضوء، هكذا يحلو أن أسمي عوالم الانترنت، لست فراشة ولم يجذبني في البدء، كائنات الخوف تركن إلى الأرض، تخشى التحليق، كائنات العتة، تعودت روائح الورق التي تنتشي لها الروح وتلتذ بها الحواس.
يوما مد يده الأخطبوطية لي، فأربكتني شفافيته، واتساعه، وبتنمل وبخوف مددت يدي له، فأخذها بقوة، رماني على قارعة حياة أخرى، مدن، أسواق، حكايات كائنات، بيوت، قلوب، سلالم تتحرك، ضحكات، بكاءات، ثقافات، فنون، عوالم من الدهشة اللامتناهية.
في البدء حين دلفت لعوالمه الواسعة، لم أكن قد تشربت الضوء بأحلامه المورقة كثيرا بعد، كان كل شيء في البداية، والبداية دائما مبهرة ومربكة أيضا، لم يكن في حقيبتي أصابع تتقن الكتابة والقراءة للحروف المشعة، لكن النداء كان طريا ولذيذا وحميميا ودافئا، لذا كان كافيا أن يأخذ يدي من روحها، ويلقى بي على قارعة الأرصفة الكونية دهشة وفرحا .
تقدمت ببصري وأصابعي فقط، كان كل شيء مالحا ومدهشا، وكان كل شيء يشكل إغراء يدعوك للولوج، وما لبثت أن بدأت الكونية تتمدد أمام عيني كل يوم، واللغة التي أعشق تزهر بشكلٍ مغرٍ، والجمال يتناسل غواياته شعرا وروعة وبهاء، والفن والحرف يحلقان بخفة تستبيح أرواحنا وتسفحها بفرح عند حدود الكونية الافتراضية، الأصدقاء يأتون من كل حدب وصوب، يهطلون كالمطر بمختلف التجارب والأعمار والجغرافيات، يعرّشون على أرصفة الكونية ينصبون خيامهم وأسواقهم يكتبون ويقرؤون ويرسمون، ولا كثير تعب كي تقرأهم وتعرفهم وتجلس بينهم سواء من قرأت لهم أو من تصافح حروفهم لأول مرة، فقد اختصر الضوء المسافة، وقيّض للثقافة أجنحة لنعبر بها ولها الكون الحي الذي تضيق مسالكه عنا أحيانا، وتتقلص في وجوهنا دروبه أحيانا كثيرة.
صارت الجغرافيا تتراجع، والتاريخ يتحجم في ذاكرة افتراضية لا تعترف إلا بنص جميل أو لوحة رائعة، والضوء يتصيّر وطنا للغرباء والصعاليك، فشهقت روحي أريد أن أتوضأ قليلا، أريد أن أعمّد روحي بزبد الانبهار، أريد لهذا الضوء أن يسافر بي في عوالم الدهشة.
كنت أكره السفر، وأحب أن أحلم به فقط، فكان السفر الضوئي من المكان وإلى الأوسع هو حلم السفر الذي لا يرهقني بالغياب، أو بحقيبة تمد لسانها في وجهي، صرت أسافر بلا فوبيا التحليق .كما أنني كائن أخذل ابن خلدون في فلسفته "الإنسان كائن اجتماعي بالضرورة"، وصرخت فيه حين التقيته في أحد الأسفار، لا ياصديقي العظيم هنا كائن غير اجتماعي وبالضرورة أيضا، غير أن الضوء أخذني إليه بحميمية خاصة، وعرفني على علاقات مختلفة، لأصبح كائنا اجتماعيا من نوع آخر، مددت يدي مصافحة للكائنات الضوئية التي تسبح في هذا الملكوت اللامتناهي عن بعد، ما أجمل هذا ( الـ عن بعد) .
قبل النشر الإلكتروني كنا ننشر نصوصنا في الصحف والمجلات لنجد ولو قارئا واحدا يشهر وجعه في وجه النص، لنجد من يتمثل وجعنا وصمتنا وأنانا البعيدة، ولكن كان الكثير مما يقف في وجه ذلك الوجع/النص،كـ رقيب سادي يتلذذ بقص رقاب نصوصنا، أو نرجسية فجة لمحرر الصحيفة أو المجلة في أولوية النشر، وهناك من يلقي بنصوص أوجاعنا في وجه المقصلة، يعدمها يحرقها ويهرّق عيونها المسبحة بالحب، فكان الضوء (الإنترنت) انتصارا لنا ضد الرقيب، ضد النرجسية، ضد التابوهات، ضد الكبت والقمع فهو يمد جسده الكبير لنا، لنَشِمَه بنا بتفاصيلنا الصغيرة، بنصوصنا بفرحنا، بحزننا، بعبثنا بقهقهاتنا الكبيرة، وأحلامنا البسيطة، وبحرية حقيقة، لذا كان من حقنا أن نحتفي بهذا الضوء ونصرّح له بحبنا أيضا!! لأنه امتدادا واسعا، استوعب ململة أقلامنا، وشغب أرواحنا، وجنون أحلامنا الصغيرة في بقعة ضوئية، بقع واسعة قادرة على استيعاب الكل بالكل، قادرة على تحقيق شهوة الانتصار على الأسود الذي يعشعش داخل البشر في كينونتهم الغابية، وبناء جسور ضوئية بين الأقلام والأرواح التي تروم التحليق نحو اللاشيء، تلك الأرواح الغير معنية بالمجد والصعود، فقط هي معنية بنثر شظايا الياسمين على خرائط البشرية الملوثة بالغبار والغربة والدم لتعليم الناس معنى اللون الأبيض.
تلك الأرواح المعنيّة بتلوين الورق بألوان الحزن والبهجة معا في تناقضات بشعة ورائعة، المعنية بالوجوم أو فتح أفواهها دهشة أمام نص يمكن أن يكون بديلا للخبز أو المعطف أو الحذاء، أو يكون أكثر أمنا وأمانا ومتعة من جيب متخم أو سقف منقوش بالذهب، نص مواز لنزهة قصيرة على شاطيء البحر، أو التبلل بمطر يهطل غزيرا من ضحكة طفلة غجرية الروح، أو توزع في مسام التيه بلا رغبة أو تخطيط .
تلك الأرواح المعينة بالتجاسر على الحزن بالتقاط صورة له، وهو يضع يده على خده ساهم يبحث عن قلب هش ووحيد ليبيت فيه ليلته، وبالتجاسر على الغربة برسم عش من كلمات ليسكن فيها الغرباء محتمين من العاصفة، أرواح غير معنية بالتنظير للحب الذي ينظّر له الجميع، ولا يعرفه أحد، لأنهم الحب في بساطته التي تمثل يدا بلا قفاز تحمل مظلة لتحمي عجوزا من سخط ليلة ماطرة، أو تزرع أصابعها الضاجة بالشعر الدفء في قلب طفل يتيم بغرس تجاعيدها العميقة في شعره بشكل غير منتظر، لمسة أحنى من لمسة أم أو جدة خرافية الرائحة.
فتقدمت فيه ومعه حتى لم أعد أعرف منذ متى حجزت مقعدا ضوئيا لأول مرة، ومتى كتبت نصا أو نشرته في عوالم الضوء لأول مرة، لكني أعرف أن ذلك حدث منذ زمن بعيد، قبل اختراع الأبجدية ربما، ولا أعرف الآن متى أنشر أو أقرأ و كم أكون فيه أيضا، لأن ذلك يحدث دائما وأبدا وباستمرار في هدوء جم لأنني لا أصعد حافلة ولا أقود سيارة لأحضر أمسية، ولا أبعث برسالة لرئيس التحرير (إلا ما ندر)، ففي عالم الضوء غالبا لدي مفتاحي الخاص وبوصلتي الخاصة ومواقعي الخاصة كما أن الجميع أصدقاء يعرفون بعضهم ويهتمون بنصوصهم، فأنا لا أقرع جرسا ولا أطرق بابا، لينتبه لي الجميع، فأطلب إذنا أو أشعر بالإحراج من عدد مرات دخولي، وطول مكوثي، وعدد مرات نشري لنص ما، وربما تعديله عدة مرات وحذفه أو استبداله، أنا أدخل في أي وقت وفي كل وقت، لأنني في بيتي والدرب الذي باتساع قلب أم لن يضيق عني مطلقا، ولن يضجر من شخبطاتي فوق جدرانه الرطبة، لذا لي أفرد ذراعي معانقة المدى متى ما أريد ..
بعد قليل أصبح النت ليست مساحة حرة للقراءة والكتابة فقط، بل أصبح مساحات للحرية نتنفس من خلالها إذ نقرأ شعرا ونثرا، كتبا ومقالات جميلة، ونستمتع بتعليقات الأصدقاء، وننتشي بالشغب المتراوح بين القسوة والحب، ونتعرف كتّابا لم نحلم يوما أن نعرفهم.
أصبح حديقتي الخاصة التي أهرب إليها كي أنتشل نفسي من بؤرة الخواء، حاملة أقلامي وأوراقي، دموعي وضحكاتي، أصدقائي، وأحلامي، قهوتي وقطع الشوكلاته التي أحب، لأختزل عزلة العالم في دمعة حارة، أو في ضحكة طويلة.
ثم عرفنا المساحات الحوارية منها، والمساحات الضوئية الحوارية "منتديات ثقافية عربية" خارج التقسيمات الجغرافية والعرقية، وهذا ما لم ولن يحققه أي تجمع ثقافي في حيز جغرافي محدد، وهذا فضل الضوئي على المكاني، فهذه المساحات أشبه مراكز ثقافية ونخبوية، خاصة تلك المنتديات الثقافية الجادة والمتنوعة التي تتجاوز- بالضرورة- فكرة النشر كصحيفة أو مجلة لأننا لا ننشر فقط، نحن نتكلم، ونتصافح، ونتناقش ونعرف أخبارنا، وقد نحتد، كما تتجاوز فكرة المقهى لأننا ننشر نصوصا جديدة، وقد نكتبها مباشرة، ورغم أن بعض هذه الأماكن تفتقر لملامح الشراكة المجتمعية، و رسم السياسات الديمقراطية المغيبة أصلا في المجتمعات الحقيقية، إلا أنها تراهن على الحرية والشفافية لأن أغلبية من ينتمي لها من النخب المثقفة في أوطانها الجغرافية، وهم فيها يراهنون على أسمائهم الصريحة بجدية وافرة، وبتعامل ثقافي راق.
كما أن هذه المنتديات الثقافية توفر مساحات للثرثرة والدردشة والهذيان، لذا فهي أشبه ما تكون بالمقاهي، نرتادها لأننا نحب شيئا ما فيها، موقعها/مرتادوها، ومع الزمن يصبح الوقت عاملا مهما في الالتصاق بالمقاهي، فيصبح الأمر تعلقا بالمكان تماما كما يكون ليس من السهل ترك ذاكرتك في بيتك والذهاب لبيت آخر لأنها ستوجعك كثيرا ودائما، ستذكرك بصوت جارك، ورائحة الشارع وحنان الحارة ومن فيها، لهذا نكون في مكان ما (مسألة الضوء هنا اعتبارية) ولسنا في مكان آخر، كل شيء مع الزمن يصبح من عناصر المكان، الذي مع الزمن يفقد ملكيته الخاصة، ويصبح ملكية عامة، وقد يصبح عادة وقحة تتحكم فينا، وذاكرة تتلبسنا تفاصيلها، يصبح المقهى الذي نجلس عليه كل مساء لنثرثر، ونتفقد من يحضر لنستأنس بوجوده، ونفتقد من يغيب لأنه يترك مساحة خالية، ونرفع كفنا تحية للقادمين (هلا) وللمغادرين في رعاية الله، يصبح صوتنا العالي في احتداد النقاشات ، و" الله" نطلقها للنص الجميل، كأننا نسمعه حيا من حنجرة صاحية يلقيه أمامنا .إنه الضوء والكثير الكثير من الحرية والجمال .
فيما بعد لم تعد الفكرة فقط في الكتابة لأنه قد يمر وقت طويل ونحن لا نكتب، وهذا يشبه حالة أن نكون بمزاج سيء غير قادرين على الكلام فنشرب القهوة، ونستمع ونتأمل الوجوه، وقد.. وقد.. وقد، ولكننا لا يمكن أن نترك المكان، كأن أقدامنا تسوقنا إليه أو أصابعنا الضوئية، إنه جزء من يومنا بلا تخطيط مسبق، وبلا تفكير كثير في الأمر فقط، فنحن جزء منه، إنه الحنين والتعلق برائحة الأشياء فيصبح المكان ذاكرتنا، والأصدقاء..
ورغم كل ما يمكن أن يقال من سلبيات عن النشر الإلكتروني، إلا أن كل شيء يكون ضئيلا مقارنة بجمالياته الكثيرة، وفوائده الجمة، فالضوء هو العالم الذي يسعف عزلة الكائن لذا هو يتقدم باتجاه الأجمل والأكثر، فقد أصبحنا نقرأ الكثير من الجرائد الورقية بنسختها الضوئية، ونخزّن الكثير من الكتب بشكلها الإلكتروني، فإن جاء اليوم الذي نفقد فيها الجريدة الورقية أو الكتاب الورقي كما حدث مع الرسالة الإلكترونية فلن يكون الكثير من العجب والاستغراب॥ رغم إنني أحبذ فتنة التوأمة بين الورقي والإلكتروني لأنها الحالة الصحية التي نحتاجها أبدا।
من تحقيق لجريدة النهار أجرته سوزان خواتمي

تعليقات