التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

مراود الحلكة ( فضاء سينوغرافي) نص باطنيّ مفتوح شاهد على تحولات الشعرية العربية

فاطمة الشيدي : تُصَالِح القصيدة مع المتون لتطويقها أو تفخيخها بنيران الشعر..
ناصر أبوعون ملحق شرفات الثقافي بجريدة عمان الأربعاء 21/ 11/ 2007
ترسم فاطمة الشيدي في هذه التجربة الجديدة الملامح الجنينية الأولى للنص المفتوح بعد تجربتها الإشكالية في قصيدة النثر والتي ضمنتها ديوانيها السابقين ( هذا الموت أكثر اخضرارا ) و ( خلاخيل الزرقة ) ويأتي هذا العمل ليشكل انقلابا على مفهوم الشعرية والنص الشعري بل يمثل تحولا باتجاه ( النص المفتوح ) حيث الانقطاع الشامل عن مفهوم أو شكل القصيدة وبتعبير خزعل الماجدي إعلان عن نهاية تاريخ القصيدة وبداية لنمط جديد ، هو ( شعر النص) أو ( نص الشعر ) حيث تتبنى ( النَّاصة \ الشاعرة ) كتابة الشعر عن طريق النثر بوسيلتين هما : إلغاء الإيقاع الوزني وتبني شكل النثر وقوانين بنائه ، ومن ثَمَّ يثور النص الشيديّ مرتين : الأولى بإلغائه الوزن الفراهيدي والثانية بمحو بنية القصيدة ليتبنى بناء النثر أو بناء النص النثري .
فاطمة الشيدي في هذه المدونة ترتكب فعلا شعريا ثائرا في ركن قصي من المدونة العربية الحديثة إنها تسعى إلى مصالحة الشعر مع المتون ثم تطويقها أو تفخيخها بنيران الشعر لتبرهن على أن النص شكل هندسي يمكنه أن يكون متحولاً ومختلفاً، وهذا الاتجاه دعا إليه جمال باروت حيث يرى أن الأنواع الشعرية الجديدة قابلة للتوصيف من دون رهنها للشكل , وهي لما تزل في مرحلة تحول، لقد كان التحول سمة التطور الثقافي والجمالي الشعري في القرن العشرين في ثقافتنا العربية، لكنه تمركز دوماً حول مراكز معيارية، بينما فضاء القصيدة اليومية بتفرعاتها المتعددة والمفتوحة لا تطرح نفسها مركزاً معيارياً للجميل أو للشعري، فهي قد تشكلت على هوامش المراجع الكلية الحاكمة والموجهة، واخترقتها وتمكنت من الخروج منها والمرجع الكلي ميتافيزيقي بالضرورة لأنه غائي هذا هو مبدأ الميتافريقيا، وحين ينهار هذا المرجع ينبجس النثري أو اليومي لنكون في عالم المصادفة وليس في عالم السببية، وفي عالم التشتت وليس الوحدة، وفي عالم العابر وليس الماكث المستقر. وهذه هي حيوية الحياة نفسها.
· قراءة في المصطلح
في سياق هذه القراءة النقدية لكتاب ( مراود الحلكة ) لفاطمة الشيدي أن نعترف بانها ( قراءة مجاورة للنص) و ( محاذيه ) له ومهما أبدعت فإنها تظل ( برّانية ) لا تختلط بالنص ولا تعايشه و لا تستمع لصوته ولا تستكشف مجهولا ولا تضيف شيئا ولا تستمع إلا لنفسها وتتقوقع على ذاتها المريضة ( حسن فيلالي ) نظرا للفوضى المنهجية التي نعيشها على صعيد النقد العربي والحيرة بين المناهج النقدية المستوردة والتي تضعنا في موقف لا نُحسد عليه وتطرح علينا سؤالا منهجيا : وهو أيها نستخدم في قراءة النص العربي مصحوبة بعجز فاضح في الوقت نفسه عن نحت منهج عربي خالص بإبداعنا ومن هذا المنطلق نحن مطالبون بضرورة تبيئة المناهج المستوردة لكي تتلائم مع النص العربي ولكن بشرطين اثنين: 1- أن يتنازل المنهج عن بعض خصائصه ويذعن لشروط إنتاج النص : شروط الثقافة والبيئة والرؤية. 2- أن يتنازل النص عن نفسه كلية ويخضع ويسلم أمره لمبضع المنهج ، يقص منه ما يشاء ويرغمه على البوح بما لا يشاء. هذه كانت مداخلة اعترافية قبل الولوج إلى حضرة النص ( الشيديّ ) واستكناه مفرداته وآلياته حيث ينفتح النص على العوالم المتاخمة لحدوده وتقفز بحواسها على حواجز الكلمات وكافة الأجناس الأدبية ( السيرة والمخطوطة والريبورتاج الصحفي والمسرح والسينما والموسيقى والفن التشكيليّ والجاندرحيث استبطان العلاقة الخفية بين الذكر والأنثى ، بين المرأة والرجل والذهاب باتجاه تأنيث العالم ) ليحمل في النهاية توترا وجوديا ويصبح الكون بتعبير الماجدي وحدة شاملة قادرة على الاختلاط مع بعضها وتكون الناصّة \ الشاعرة هي راعي هذا الاختلاط عبر مدونتها المفتوحة . وهذا الطرح يحيلنا إلى الحديث عن التهجين ما بين الشعر والسرد، وربما في شكل قريب من القصة القصيرة جداً، وبكلام آخر يببدو النص الشيدي المفتوح وفقا لرؤية ( باروت ) كأنه خطاب ذاتي يقصُّ وحدات سردية مرجعية أو إحالية وحتى وقائعية ، أوكما برهن جينيت فإن حدود الخطاب والسرد لا تتمايز في حالة صافية بل يتداخلان فيما بينهما، وهذا التداخل هو من أبرز سمات النص المفتوح من دون أن ينفي ذلك اتجاه آخر يقوم على الومضة ضمن منهج الإدراك الحدسي الذي يثير طاقات شعرية في الجزئي التفصيلي. فالنص المفتوح \ اليومي لا يتخلى عن الإدراك الحدسي، فالعالم الصغير يحضر هنا محملاً بالعوالم الكبيرة. · بين النص المفتوح والشعر والنثر
ولكن كيف يمكن للقاريء التفرقة بين هذه الأجناس الثلاثة وخاصة بين النص المفتوح وقصيدة النثر لدى فاطمة الشيدي أو بنظرة عامة بين الشعر واللاشعر وبموجب هذا التفريق يكون شعراً كلّ إنشاء يحتفي بالدّوال أكثر ممّا بالمداليل وتكتسب فيه الكلمات قيمتها من رنينها وشكلها واكتنازها بالإيحاء، ومن مجموع علاقاتها التجاوريّة. فهي، أي الكلمات، تُنتقى وتُحَبّ انطلاقاً من موسيقاها وممّا تتيحه من لعب على الكلام ومناورات بلاغيّة وأسلوبيّة. وبالمقابل، يكون نثراً كلّ نصّ يُصار فيه إلى تغليب المعنى وتُمنح فيه الأولويّة للمدلولات ( رومان ياكوبسون ) بالطبع هذا لا يعني أنّ الشعر يضحّي بطاقته المعنويّة أو الدلاليّة، ولا أنّ النثر يستغني عن كلّ مسعى أسلوبيّ وعناية موسيقيّة. فالمسألة مسألة معايرة وغلبة معقودة لهذه الشاكلة أو تلك في معالجة اللّغة داخل نصّ بذاته ( كاظم جهاد ) فقصيدة النثر، وهنا امتيازها الفريد وطبيعتها الخلاسيّة، جاءت لتجمع بين فضائل كلا النّوعَين. من الشعر أخذتْ احتفاله العالي بلعب الدوالّ، وأنعشته بقدرات النثر على قول ما لا يقوله الشعر المحض. فمع تجاوز الرّومنطيقيّة والإيغال في زمن الحداثة، أصبح الشاعر يضيق ذرعاً بحدود البيت الشعريّ من جهة، وبعجز الشعر المحض أو الصّافي عن احتواء كامل التجربة الإنسانيّة ثمّة دائماً مناطق من التجربة وظلال من المعاني لا تُقال إلاّ نثراً، وما تطمح إليه قصيدة النثر هو توسيع النصّ الشعريّ بحيث يستقبل هذه المناطق، ولكنْ بالعمل دائماً تحت سيادة الشّعر وهيمنته شبه الكليّة .
ففاطمة الشيدي في كتابيّ ( الموت اكثر اخضرارا ) و ( خلاخيل الزرقة ) كتبت قصيدة النثر في تجلّياتها الكبرى المعروفة : وجازة وتشظّ وغناء مضادّ أو آتٍ من على بُعد، وسرد تكسيريّ عن عمد، ومجازفة بالمعنى تقذف بنا مراراً في أقاليم اللاّ معنى أو المعنى المُفارق، وتُخرجنا من العالَم المعهود لنكون في غمار عالَم آخر أو لا-عالَم.
فقصيدة النثر كما اقتفت أثرها فاطمة الشيدي عند الرواد وبخاصة معلمها الأول سيف الرحبي ، لم تقمْ لترفع النثر إلى مصاف الشعر كما يتوهّم البعض، بل لتفتح الشعر على ضدّه الحيويّ ولتشحنه بطاقات لا يتوفّر عليها هو وحده ( كاظم جهاد ) وعلى هذا النّحو يكون لقصيدة النثر فلسفة فعّالة وجماليّة ضمنيّة، فهي تتطلّب من مُمارسها القدرة على تشظية التجربة واتّخاذ مسافة منها، وعلى مضاعفة أناه الدّاخليّة وتحويل الزمن إلى فضاء.
ومن هنا يمكننا القول بأن تجربة قصيدة النثر لدى فاطمة الشيدي والتي استغرقت ديوانين كانت تمهيدا وأرضا خصبة لإنتاج نص مفتوح ينطلق من فلسفة قبلية حيث للنص المفتوح مزايا فنية ربما تخرج عن حدود الكتابة الأجناسية، فالكتابة الأجناسية تنطوي على قوانين شاملة، أخذت من انفتاح هذا المجال على الاشتغالات الأدبية المعروفة أو المطروقة في كتابة الشعر وكتابة السرد،( زهير الجبوري ) فهو غير ظاهرة، بل هو فن أخذ عليه أو أُدخل خانة ” مابعد الحداثة “ ولكن حين نكرس العمل عليه أو الاشتغال فيه، يعني أننا نفتح رؤى واسعة للتعامل مع الأشياء بوصفها أدوات قابلة للطرح وفق ما يعمل عليها .
· نصّ باطني هيرمونطيقي
تخلَّقت تجربة ( مراود الحلكة ) على يد فاطمة الشيدي كنص المفتوح وُلِدَ من رحم هيرومنطيقي ( تاويلي ) نصّ جاء ليماثل المدينة المفتوحة على بعضها والمتداخلة بطريقة يصعب تصنيفها وتبويبها بشكل نموذجي وقد اشتغلت الناصة على هذا النوع من النصوص المفتوحة والذي تسير كافة مقاطعه في مناطق الباطن ينزل إلى طبقات الأعماق ويتخذ له من المستوى الضمني مكانا ، إنه نصّ يتحاشى الظاهر وينزل إلى الأعماق الغائرة للغة والصورة والبلاغة والأسلوب ( خزعل الماجدي ) تستلهم عبره من فلسفة الموت والفناء آليات الكتابة وتقترب به من الينابيع الخفية للدين وتقترب به أكثر من المناهل السرية للجسد , فالجسد يلعب دورًا استثنائيا في رحلة الباطن سواء بنفيه للوصول إلى الروح أو بتخصيبه للوصول إلى النفس ، أو بتلاقي الروح والنفس في حلقتي الاتصال والانفصال للفيض والعود الأبديين لكنه يهيج سياقات اللغة ويقود الناصّة \ الشاعرة إلى مستويات مدهشة من الرؤى تقود معها القاريء إلى امتحان يختبر جلد الروح وخصوبتها وقدرتها على التحرر والانعتاق إلى العوالم البعيدة .
· سمات النص الشيدي\ المفتوح
لقد حاول الكثير من مؤرخي المدونة العربية ( تقعيد \ ترصيص قواعد نقدية ) ووضع النص المفتوح في إطار تطبيقي بداية من سبعينيات القرن الماضي على يد أدونيس في كتابه ( مفرد بصيغة الجمع ) وسليم بركات في ( الجمهرات ) و ( الكراكي ) ثم جاءت ( خزائيل ) لـ( خزعل الماجدي والذي جهد نفسه في إطار بيانه الشعري أن يبحث عن سمات النص المفتوح وأنواعيته وتقنياته .
ولأن النص المفتوح يحتاج إلى قدر كبير من شخصية السارد الملحمي والمعرفي وذلك لأنه جنس شعري يتخذ من الكتابة فعلا شعريا مغامرا يقف بوجه متون السرد والدراما والمعرفة الحديثة منافسا لها قدر انطلاقه من أرض الشعر ، إنه مصالحة الشعر مع المتون ثم تطويقها أو تفخيخها بنيران الشعر .
وفي إطار هذه الرؤية يمكننا تتبع سمات النص الباطني المفتوح في كتاب ( مراود الحلكة ) اشتغلت عليها فاطمة الشيدي بمعرفة باطنية ورؤية الحدس ودون قصدية متعمدة وإن كان مرد ذلك إلى دراستها الأكاديمية في هذا الحقل حيث الاشتغال على ( المعنى خارج النص ) :
أولا : تعتمد الناصّة على البذخ اللغوي وتسعى لتفجير اللغة وشحنها وتصادمها لتؤكد للقاريء أن ( مراود الحلكة ) نص لغوي بالدرجة الأولى .
ها أنا أتقدم بكلي لامعة كخنجر مصقول كجزع مغلف بالنحيب يوقد المساءات المظلمة الأضلع يقودني نحو فجيعة الانتظار تتقدم نحوي البلاد و البرد جحوظ الغد يطرز مآتم القادمين من الأنبياء وبلا مزاليج محكمة ترتق ثقب القادم و بلا كهوف قاتمة تصلح للصلاة أتحرك نحو دفئ الخسارات أتوسد الغياب الآثم ولا أجزع [1]
ثانيا : تستخدم فاطمة الشيدي السرد والدراما وغيرهما ويكون هذا الاستخدام جزءا أساسيا من أسلوبية النص المفتوح .
سأثرثر حتى تنتهي الحكايات من ألسنة الرواة وحين يلملم الغياب ثيابه من دمي سأبكي حتى يغفر الصمت لأصابعي الملوحة اشمئزازها من المسافة وسأنداح كالبؤرة في لجج الفراغ [2] ثالثا : نص فاطمة الشيدي يعتمد بنية التركيب العضوي والخلط الحر وهما أساس النص المفتوح حيث يمكن الحذف أو الإضافة في سياق العمل . الليل يتعرى على بياض الصبح واللغة الميتة على صدره تنزف آخر مايمكن أن يقال الحزن بإعياء مربك يستعـيد خصوبة الرؤيا يصرخ في كائــنات الرعب الخرافية أيها الذاهبون لاموت صالح للبقاء فاذهبـــــوا [3] رابعًا : لا يحكم ( مراود الحلكة ) إيقاع واضح وإن ظهر هذا الإيقاع فالنص غير ملزم به ولا يُيستدرَج إليه وإن كان هناك إيقاع أسلوبي لم يتم تصميمه سلفا بل كثيرا ما يظهر وفق انسجامات وهارمونيات الناصّة نفسها نفسها . ذهب كما جاء أسمرا وساخنا كرغيف يحن له الجياع خفيفا جدا كآخر الأشباح الذين تتقاطر وجوههم الملفّعة بالخيبات آخر الليل لا يمكنك أن تمسك أثر خطوته الفارّة من قطارات الموتى على ملامح حزنه الساجية يزرع وردة الصمت وحين يثرثر بهمس تخرج الكلمات من بين شفتيه هشة ومالحة كل ما يفضي به هذيان كي لاتقبض على معنى [4] خامسًا : تتبع الناصة في كتابتها نسق النثر كاملا في محاولة لجمع وتمثل كل أنواع جنس الشعر لتشي لنا بأن النص يصنع نفسه وقد يضطر لنحت خرائط كثيرة في هذا الفضاء للإشارة إلى الجوهر . يا عناقيد الرحمة المدلاة يا آخر شيء يفيض بياضا في كف العتمة رفقا !! أشعلي سرجهم المبهوتة بالشك وسعي حدقاتهم الضيّقة للنور كمّمي أصواتهم المبحوحة بالغناء وكوابيسهم المتنملة من فرط الموت شمسي جراحهم كي لاتتعفن [5] سادسا : يمتميز النص الباطني المفتوح في مراود الحلكة بغباريته وامتداده وفضائه السينوغرافي وتشتيت الفكرة الشعرية وجعلها متنا مثل دخان في فضاء وربما ظهر الاستطراد أو الشرح . عم مساء أيها الحزن !! اللذة مشنوقة على قارعة المساءات المبللة النهاية البهجة معنى محنى ببيت شعر جاهلي وكأس نبيذ بنصف التفاتة ونصف حنين شنق الحادي العجوز لهفة المرافئ خلفه و كاد يغادر وبما تبقى من فيض الظمأ شد إلى النخلة حنين رماله المتدثرة بالقيظ وقيضها للاشتعال وراح يغني اليوم خمر وغدا خمر [6] سابعًا : جاء النص الشيدي المفتوح في شكل نظام شعري مفتوح له بداية وتفاصيل ولا تحده نهاية بل كان تائها وقابلا لنهايات كثيرة وبذلك يصبح ( أميبيا ) وغير محدد . أرى فيما يرى غفل المواجع كائنات تزدحم لتؤدي رقصة الموت ضجيج يعلّم الجهات كيف تتطاير فزع يشق أكفانه عن طفلة تحترق أياد تلّوح لجنين يتشكل في حفنة من تراب اللغة و بأصابع فاغرة دمها أخيط روحي إلى نصفها أستدر عطف المساءات أسند ظهري لقباب المدن وعلاماتها الفارقة أذرف السلام على أمنية تتكوّن في رحم الخلق بذرة من عويل أجيء مزمارا بفتحات أضيق من لغة [7] · مفردة ( الموت ) وسلطة النصّ تساور فاطمة الشيدي منذ تجربتها الشعرية الأولى وصولا إلى مراود الحلكة أسئلة وجودية، غير أن اهتمامه ببواطن الإبداع النفسية أكبر من اهتمامها باللعبة التقنية، بما فيها الأزمة الوجودية القائمة على الصراع بين [الذات] والآخر [العالم ـ الوجود] أو موقف (الزهد) التوحيدي ، وصولاً إلى فكرة الموت بالمعنى الاسطوري (تموز) أو الفلسفي (الصوفي) بل يمكننا أن الشاعرة هي الأكثر احتفاءً بفكرة الموت على الصعيد اللفظ والمعنى من بين كاتبات جيلها الشعري على امتداد خارطة اللفظ العربي المدون والمقرؤ . وفي إطار دال الموت المتناثر الذي لا تكاد تخلو صفحات الكتاب منه وضمن سلطة النص التي تتشكل من ثالوث المرجع والبنية والرؤية الفلسفية يمكننا تحديد مفهوم الدال والمدلول إذا اعتبرنا أن النص وحدة معرفية مستقلة قبل أن تتصل بالقارئ لتشكل مركبة لوحدة معرفية جديدة تسمى القراءة، فالكتابة من حيث الأداء المعرفي تمثل منظومة معرفية تحتوي كلا البعدين، البعد الإشاري والبعد الثيمي، ومن خلال مركبات النص نستطيع تشخيص المفاهيم الدلالية (الإشارية) والأخرى المدلولية (الثيمية) ، الشكل الخارجي للنص ( عزيز التميمي ) المتمثل بنسيج لغوي مبني وفق رؤية تصورية خاصة للشاعرة \ الناصّة يشكل جزءاً من دلالة النص إضافة إلى الرموز والوقائع الأسطورية والاجتماعية، فسلطة النص الدلالية تؤدي وظيفتها بشكل فاعل من خلال التقائها بسلطة القارئ التي تمثل الدلالية الكلّية، أي دلالية النص تمثل نقطة الالتقاء مع القارئ وبالتالي يجب أن تكون ضمن التصور الشكلي الخارجي للنص الذي يعكس آليته الأدائية بتشخيص المسالك والدروب المؤدية إلى منطقة الثيمة في النص مروراً ببنية النص من خلال المنظومة التحليلية في سلطة القارئ، أي يمثل انعكاس داخلي لمركبة من مركبات النص التي لعبت دوراً إيحائياً في اجتذاب القارئ، ويسهم كل إحداثي من إحداثيات سلطة النص في عكس تصور معين ضمن عملية القراءة. إن الموت هنا ليس سوى انتصار على الموت العضوي (وليد مشوح) وهو موت يحتمي بنداء الرغبات النفسية المحاصرة ،التي توقظ الصور النائمة في الذهن ،لتمنحها مظهرا مادياًّ، يبلور حالة من التوتر الفكري ،القائم على أنقاض العمر(الضال)،و المنسرب من بين اليدين ولكن حركة الروح هي مثل حركة النار تضع نفسها وهي صاعدة، والشاعرة تحاول أن تجسد كل ما تراه وتحسه بمنتهى الصدق مع استيعابها لتفاصيل الصور الحياتية وجزئياتها لغرض إثارة القارئ عبر تماسه بها كما تحمله على الإحساس والتفكير معا ) غاستون باشلار ) وكل ذلك يقود لا محالة الى طقوس وجودية للموت ؛ ولكن أي موت هو الذي يتلبّس مناخات فاطمة الشيدي ؟ نسأل أنفسنا، ونجيب: الموت الوجودي؛ الاحساس الأولي بالعدم؛العدم الضروري للكائن إن الموت الوجودي الذي تسعى إليه الشاعرة حثيثا هو الموت الأبيض الذي يكاد يكون عبثياً، لأنه الموت الإلزامي والحتمية هنا تجعل الكائن في النقطة المريبة الكائنة بين العبث والسخرية. · مواقف شعرية من الموات · الزهد التوحيدي : · الموت الأسطوري ( تموز ) · الموت الفلسفي \ الصوفي

تعليقات