مجلة كل الأسرة د । إيناس صالح العدد 675 20 سبتمبر 2006
هل يمكن أن تحدثيني عن بداياتك مع الشعر ॥ حيث صدر أول دواوينك عام 1997 ..
بدايتي مع الشعر كانت قديمة ، الشعر كان بحة صوت أبي يردد أبياتا للمتنبي والبحترى كل صباح مع احتساء القهوة ، ووجه أمي يعلمنا أن الكلمة هي مفتاح الخلود ، هو ذكريات جدي البحار الذي يروى لنا أغنيات النهام في عرض البحر،، وحين أصدرت ديواني الأول كنت قد شعرت بثقل نصوصي على داخلي المرهق فأحببت أن أذروها للريح وللقارئ كي أتخلص من سطوتها لأكون خفيفة كما ينبغي ، هشة كما أنا، وكنت - كما كنت أظن وقتها - قطعت وقتا من اقتراف الكتابة لابأس به لتسجيل توقيع الحضور البدئي على الساحة الأدبية بمجموعة شعرية أولى ، سبقتها سنوات من بدايات النشر المتقطع صحافيا । ·
ما هى أهم المحطات أو المنعطفات التى ساهمت فى تشكيل هويتك الثقافية؟
الجامعة كانت المنعطف الأول والأهم في حياتي ، حين ولجتها كنت مليئة بالقديم ، قرأت روائع الشعر والنثر منه ، وحفظته ، وأثمر داخلي قافية وحلما شعريا كبيرا ، وحين دخلت الجامعية وجدت عالما آخر إلى جوار ذلك العالم ففي كلية الآداب قسم اللغة العربية ، قرأت السياب ، ودنقل ، وصلاح عبد الصبور ، وأدونيس ، ومحمود درويش ، وفي جماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي، (جماعة الشعر في الجامعة )، سمعت شعرا جديدا ، فتملكتني حساسية الجديد ، فأفتتنت به। وأعتقد أن كل يوم مر وكل كتاب قرأناه ، وكل كائن أحببناه كان منعطفا حقيقيا في تشكيل الوعي الثقافي الذي لازال يتشكل وينمو . ·
الجامعة كانت المنعطف الأول والأهم في حياتي ، حين ولجتها كنت مليئة بالقديم ، قرأت روائع الشعر والنثر منه ، وحفظته ، وأثمر داخلي قافية وحلما شعريا كبيرا ، وحين دخلت الجامعية وجدت عالما آخر إلى جوار ذلك العالم ففي كلية الآداب قسم اللغة العربية ، قرأت السياب ، ودنقل ، وصلاح عبد الصبور ، وأدونيس ، ومحمود درويش ، وفي جماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي، (جماعة الشعر في الجامعة )، سمعت شعرا جديدا ، فتملكتني حساسية الجديد ، فأفتتنت به। وأعتقد أن كل يوم مر وكل كتاب قرأناه ، وكل كائن أحببناه كان منعطفا حقيقيا في تشكيل الوعي الثقافي الذي لازال يتشكل وينمو . ·
ماذا عن أطروحة الماجستير؟
هي مرحلة من مراحل الكائن الهش المثقل بالوعي ، الحامل على كتفه عبء محاولة الذهاب للغد بثقل أخف ، وحالة أجمل ، أو محاولة زجر لأشياء كثيرة تحاول أن تحد من منسوب تدفقه في الحياة ، وهو المرهق بحجم أمنية خضراء أن يكون كما هو فقط ॥ هي مساحة للتملص من العتمة بالنور ، أليس العلم نور ؟! ·
هناك فارق في السنوات بين ديوانك الشعري الأول (1997) والثاني (2004)هل لأنك تنشرين في العديد من الصحف العربية والمواقع الألكترونية المتخصصة؟
لاأعرف ربما هذا من ضمن الأسباب॥ ولكن السبب الرئيس كان هو الخوف والفزع الأكبر من احتراف الرؤيا ، والاكتمال في مداراتها ، كنت خائفة حقا من مجموعة أخرى تجعلني محددة ، بشكل يلزمني أن أسكن متاهة عليا لكائنات هلامية تأخذ مسميات خارقة شاعر ، أديب ، كاتب .. كنت فزعة من وضع نفسي في منتصف المسافة في اتجاه حاد كالشعر لأعلن نفسي شاعرة ، وربما كنت أنتظر لأتحقق منه داخلي هل هو حقيقي أم حمل كاذب فقط ، ويكفي محاولة أولى للبرهنة على صدق حضوره في دمي । كنت ولازلت قارئة تستمتع بكل حرف تقرأ ، بل تريض روحها بالقراءة وتروضها ، وكنت أتساءل أبدا هل أحتاج مسمى أكثر حدة .. كنت مشوشة ومع هذا كنت أكتب الشعر وأنشره ، وحين عرفت أنني داخله وليس العكس ، بل أنني لاشيء خارجه، أفرجت عن صرختي الثانية ( خلاخيل الزرقة) ، ولا أظن أنه بعد الآن يمكنني أن أتوقف مجددا كل تلك الفترة بين مجموعة وأخرى . ·
القصيدة النسوية متهمة بأنها مجرد انفعالات ووجدانية، لذلك هى متأرجحة بين الارتباك حيناً والثرثرة حيناً آخر॥ ما رأيك؟
الشعر كله انفعالات سيدتي ، عند الرجل وعند المرأة ، ومن قال أن الشعر غير ذلك فهو لا يعرف الشعر ، ولا يعرف كيفية اقترافاته الموجعة ، بل الشعر إذا لم يكن انفعالا كان مصنوعا معلبا جاهزا ، أما عن طرح مصطلح القصيدة النسوية فأنا لاأوافق عليه لأوافق على مابعده ، الشعر حالة هيجان داخلي للكائن ( رجلا كان أو امرأة) يكتبها كيفما اتفق بتدفقها الغريزي لحظة الخلق ، ثم يعاود صناعتها مرة أخرى وفق رؤاه وثقافته ، يحدث أن تأتي هشة ، وأن لاتشبه مستواه ، ويحدث أن تكون مرتبكة ، أو ثرثرة ॥ ولكن هذا يحدث لدى الكائن عموما ( رجلا كان أو امرأة ) ، وإطلاق الأحكام (لنعترف) مشكلة حقيقة تحكم الأوساط الثقافية العربية ।
· برأيك كيف يمكن الوصول إلى حداثة شعرية تسعى إلى ارتياد فعل التجريب فى هذا العالم المتغير والمرتبك ؟
بالكتابة من الداخل فقط ॥ الاحتكام للذات في سيرورتها العليا ، تدشين فكرة تسريب الخارج للداخل ، الكتابة من مناطقنا القصية غير المطروقة ، هروبا من حالة من الهوس في تشابه النصوص ، نحتاج أن نطلق صوتنا الخاص ، صوت الكائن الذي لايشبه غيره ، صوت الكائن الغير محاصر بدائرة معينة ، صوت الكائن المتغير وفق حالة التجريب المشروعة / بعيدا عن التقولب والجاهزية ، بعيدا عن الأحكام البائتة والباهتة । ·
ترجمت بعض نصوصك إلى لغات أخري؟
نعم ترجمت بعض نصوصي للإنجليزية والألمانية ، ( في معرض فرانكفورت) ، وللتركية ولغات أخرى من قبل بعض الأصدقاء ॥ الأمر من زاوية أن يعرفك الآخر حتى من لايتقن لغتك مهم جدا .. لكنه في رأيي لايعني الكثير من حيث مستوى النص أو عالمية حضوره ، كما يرى البعض، فعملية الترجمة اليوم أسهل مايمكن (مع تخلفنا الجلي في هذا المضمار) لذلك لا أعتقد أن وجود نصوص مترجمة للشاعر تشكّل ثقلا شعريا له ، لأن النص الجميل قد تتساقط بعض نجومه مع الترجمة فيصبح باهتا، كما أنه ليس كل نص مترجم هو جميل بالضرورة । ·
مما يتشكل العالم الذى تحلمين به ؟
من الشعر فقط ॥ الشعر الذي هو الحب ، والفرح ، والأطفال ، والزهور ، والأقمار ، هو الكون في بكارته ، هو الكائنات في بياضها ، هو السلام في معانيه العليا । الشعر هو الجمال ، والجمال هو الذي يشكل العالم الذي أحلم به . ·
الشعر تنحى عن مكانته للرواية، لهذا اتجهتِ لكتابة الرواية .. فهل نحن في عصر الرواية لأنها تمتع القارئ وتكشف له واقعه وهمومه اليومية بشكل مبسط وواضح؟ وماذا عن نظرتك نحو مستقبل الشعر؟
لاااااا لم يتنح الشعر عن مكانته أرفض هذه المقولة جملة وتفصيلا ॥ الشعر هو الجمال ( ألم أقل لك ) ، كتبت الرواية ( التي لم تنشر بعد) بلغة وحضور الشعر الذي أحب ، لاعلاقة للعصور بالشعر ، هو الشعر هو الماء الذي يحافظ على هذا الكائن من اليباس في زمن جاف وحزين ، زمن مادي و تقني ، زمن صنعته الحضارة وفق أسس علمية محضة ، ألايحتاج ماء ؟! الرواية الأجمل هي المطرزة بخيوط الشعر ، عني لاأستسيغ رواية لاتحمل اشتغالا لغويا ، ولاتبتهج مداراتها بحضور الشعر । المستقبل هو الشعر .. والشعر هو المستقبل .
*هل نستطيع أن نحكم القول بأن هناك إشكالية بين الشاعر والمتلقي؟ وكيف تبدو هذه الإشكالية؟ وكيف يستطيع الشاعر أن يحكم تواجده في قلوب الجمهور؟ نعم هناك إشكالية حقيقية ، خاصة إذا كنا نقصد المتلقي الجمعي العام ، لأنني أعتقد دائما أن ثمة متلقي نخبوي وشبه نخبوي حاضر نوعا ما ، ولأنني في الطرف الأول فأظنني سألوم المتلقي الذي أغفل الجانب الوجداني في الحياة وصار الدرهم والخبز هو آخر ما يفكر فيه ، وإذا أضاف شيئا عليها كانت التقنية، كائن هذا العصر أصبح متغافلا عن الجمال والفن كالشعر والمسرح والموسيقى والسينما وغيرها من وسائل مواجهة اليباب والخراب الكوني الحضاري. الشاعر مسائل ربما ولكن في نطاق ضيق ، يمكنه حقا أن يبث وعي الجمال في محيطه ، وأن يحاول أن يخلق خيطا نورانيا بين المتلقي وبينه ، ولكن هناك جهات أكثر مسؤولية ( كالإعلام المقروء والمسموع مثلا ) عن تربية الحس الجمالي لدى المتلقي لتقليص الهوة بين المتلقي والشاعر ، وتفكيك هذه الإشكاليات ليتم التواصل الجميل والطبيعي بينهما
أثناء تشكيلك لقسمات النص الشعري من يكون حاضراً في ذهنك، هل هي فكرة النص الشعري أو لنقول هم القضية التي تعيش في كل قصائدك للمرأة أم ذوق القارئ لمعالجة
في مخاض النص ( إذا صح التعبير ) لا يكون حاضرا سواي ، تكون الحالة (فرحا قاسيا ، أو وجعا بينا ) هي المحرض الحقيقي لكتابة نصي ، لأنها ببساطة تكون فوق ماأحتمل لذا أحاول أن أتخلص منها نصا ، في القراءة الأولى تكون (الأنا) القارئة حاضرة بقسوة । في داخلي قارئ ناقد مؤذ جدا ، لايوافق على اكتمال نص بسهولة، لذا فعادة أكتب نصوصي وأراجعها عدة مرات ، وقد تكون بين كل قراءة وأخرى فترات زمنية متباعدة جدا । المرأة ( كأنا) نعم تعنيني جدا ، أحبها ، أكتبها ، تكتبني ، أما المرأة (كقضية) ، لاتعنيني في الشعر البتة ، نعم كتبت مقالات حول قضية المرأة ككائن مجتمعي محاصر ومظلوم في مجتمعاتنا العربية ، ولكن تلك القضية خارجي ، وبعيدة جدا عن مساحاتي الخاصة وعن المرأة ( الأنا) المشغولة بالوجع والجمال ، ضد الهشاشة والقبح فالأخيرة فقط التي تسكن نصي الشعري وتكتبه । ·
هل يبحث الشاعر من خلال نصه عن حقيقة ما أم عن القصيدة الحلم. وهل يمكن إنكار القول القديم أن أجمل القصائد هي التي لم تكتب بعد؟ لاأظن الشاعر يبحث أصلا ، ربما يهيم ، يغيب ، يحلّق ، يحلم ، يتألم ، يبكي ، فيكتب ،، أما أجمل القصائد التي لم تكتب بعد فنعم بكل المقاييس والرؤى .. وربما الأجمل تلك التي لن تكتب أبدا . ·
نتفق أن الشبكة العالمية للمعلومات مدت جسور التواصل بين كتاب الوطن العربي ولكن هل تتفقين معي أيضاً في أنها أفسحت المجال أمام شعراء وروائيين وقصاصين لا ينتمون للإبداع بشئ؟
نعم ॥ أوافقك ولكن هذا شيء طبيعي جدا ، المساحات المهيأة للزهور والتي تروى جيدا بالماء والطل والحياة ، قد تنبت نرجسا ، وقد تنبت أعشابا ضارة أيضا ، الواعي وحده من يعرف جمال الزهرة فستمتع بها ، ويجتث الأعشاب الضارة ॥ عموما ينبغي أن لانقلق الزمن هو غربال الحقيقة ,, والكتابة لعبة ليست هينة على مقترفيها بعشق ، فكيف تكون سهلة على المتسلقين ، أعدك سيتساقطون كالشهب والنيازك ، وتبقى النجوم فقط تغني لليل أغاني البحارة والنخيل والعشق । ·
*هل ترين أن كتابة الشعر تحتاج إلى قدر ما من التلقائية؟
نعم ، ولكن التلقائية الواعية وربما الحذرة ، لأن الأسطح الملساء كالشعر قد تزحلق الكائن الغير حذر ، الكتابة لعبة وعي في الأساس ، والشعر خيار الكائن المراهن على الاختلاف والجمال । ·
*الشعر حالة إنسانية محضة، لكن تتأثر بعوامل المحيط الخارجي، فهل للشاعر هوية محددة أم أنه كشاعر مجرد من كل الهويات الأخرى سوى إنسانيته؟
لا اعرف ربما لأن الإنسانية هوية عالية السقف فقد لايستطيع كل شاعر أن يكونها فقط ، في النهاية الشاعر كائن خارج من كوة المجتمعات، وتلك الكوة ليس بالضرورة أن تكون مضيئة .. إذا تحدثنا عما يجب فالإنسانية هوية عليا بحق، وهي ينبغي أن تكون هوية الجميع وليس الشعراء فقط ، لكن لعل ذلك يشبه الحلم ، أما إذا تحدثنا عما هو كائن فالشعراء لهم هوياتهم الذاتية فالمجتمعية ، التي أظنها تقصى مساحات الشعر باعتباره الجمال . كما أظن أن الشعر يصلح أن يكون هوية أيضا ..
لا اعرف ربما لأن الإنسانية هوية عالية السقف فقد لايستطيع كل شاعر أن يكونها فقط ، في النهاية الشاعر كائن خارج من كوة المجتمعات، وتلك الكوة ليس بالضرورة أن تكون مضيئة .. إذا تحدثنا عما يجب فالإنسانية هوية عليا بحق، وهي ينبغي أن تكون هوية الجميع وليس الشعراء فقط ، لكن لعل ذلك يشبه الحلم ، أما إذا تحدثنا عما هو كائن فالشعراء لهم هوياتهم الذاتية فالمجتمعية ، التي أظنها تقصى مساحات الشعر باعتباره الجمال . كما أظن أن الشعر يصلح أن يكون هوية أيضا ..
*ماذا يمنحنا الشعر في عالم مليء بالصراعات
يمنحنا الحلم॥ وهو ( أي الحلم ) وحده القادر على أن يجعلنا نسير في اتجاهنا نحو المستقبل دون الالتفات لكل مايحاصرنا من قبح وتلوث ومحبطات جمة।
*من هم الشعراء الذين أحببتهم وأضافوا لتجربتك غنى
أووووووووه ياللسؤال ॥ الكثيرون ياسيدتي ॥ أنا أشعر أن ثمة علاقة حقيقة (علاقة دم ) بيني وبين الشعر لعله أبي أو جدي مثلا ، لذا فكل شاعر هو مني وإلي .. كي أكون أكثر تحديدا .. شعرت أبدا أنني فاطم امرئ القيس التي غناها ( أفاطم مهلا بعض التدلل )، كما أحببت شعر طرفة المغرور حتى الفناء ، وعشقت شعراء الصعاليك ، خاصة الشنفرى وتأبط شرا، ، حكمة المتنبي وغروره ، كانت معادل للنبل والفروسية داخلي ، وربما أورثني حمّاه التي هيأ لها المفارش فباتت في عظامي ، المعري بعزلته العالية وفلسفته الخاصة جعل الشعر يصيبني بالحكة في مناطق الهذيان والوعي معا , السياب الذي شكل لي نصه حالة من الضياع والتيه ، ذلك المتأوه بلذة مع عينان (غابتا نخيل ساعة السحر) سرب لي فكرة الموت التي صارت أغنيتي ، أدونيس هو آخر آلهة الشعر بالنسبة لي، لذلك فقراءة شعره من صلواتي الخضراء ، الماغوط نبي الجمال الذي شكل من الشعر قمصانا للفقراء والغرباء والمارة عند سقوط المطر كان موته فاجعة للشعر داخلي ، سيف الرحبي بشعره الذي يشكل المكان أغنية ، والمرأة بحرا أو قوس قزح يغريني أبدا بالتفجع عند حزنه البهيج والكثيروووووون يجعلوني أعيش حالة عشق حقيقي مع نصوصهم।
*القصيدة موقف من العالم وهي تكتسب مفهومها من الرؤيا الداخلية العميقة في روح الشاعر ॥ حدثيني عن وظيفة الشعر
الشعر لدي محاولة للذهاب نحو الصمت من ثرثرة العالم ، نحو الحلم من يباس الواقع ، الذهاب نحو الجمال والعزلة هروبا من قبح الآخر ॥ محولة لبناء عالم أفلاطوني خاص من ورق مقوى وقصاصات شعرية وشرائط ملونة ، سرقتها من شعر طفلات يستحممن شبه عاريات عند البحر ، ومن خد القمر ليلة منتصف الشهر ، ومن تجاعيد وجه جدتي حين تتداعي في ضحكاتها الممتدة ، هو عالم خيالاتي السرية ، وأوهامي المازوشية ، أهرب إليه حين يضيق عني الخارج .. لاأعتقد أني أبحث عن وظيفة للشعر ، هو لايعمل عندي ولاأنا أعمل عنده، نحن صديقان فقط ، نلتقي بين الفينة والأخرى وحين أضع يدي في يده تتحجم الأرض والكائنات، وتتساقط النجوم ويغرق البحر ، يحدث الكثير مما لاأستطيع قوله يكفي أن أقول أنه لايكون في الكون سوانا ، أنا وهو فقط.. وهي يكفيني حينها ..
*ما الذي يعنيه عنوان ديوانك هذا الموت أكثر اخضراراً .. أيضاً ديوانك خلاخيل الزرقة ولماذا اختيار مثل هذه
عن المجموعة الأولى ॥ فالموت هو النقطة التي نضعها خارج النص وداخل الحياة ، الموت هو الحالة الفاصلة بين الحراك والسكون .. في العرف اللغوي والجمعي الموت أسود .. حالة حداد داخل النقطة التي تشكل ( قف) , كنت أريده أخضرا بهيا .. كنت أريد الوقفة طويلة تنمو كحقل من سنابل القمح ، كضحكة طفل ممتدة .. كنت فقط أريد ( لموت ما) أن يكون بداية لحياة حية । أما المجموعة الثانية .. فالزرقة هي معادل للسماء التي توزع هداياها عدلا ، وللبحر الذي يختزل الحزن ، و يهب الرطوبة والفرح ليمنع الجفاف ، هي معادل الجمال الذي يصادر القبح ، والفضاء/ الأفق / الحرية التي لاتحد ، هي الأنثى المغناج التي تلبس خلخالا، توزع رنينها تنبيها في مسامع المشائين والعابثين ، والسحرة ،في مسامع الموتى ، والأصنام ، في مسامح المتحذلقين وباعة الكلام والساسة ، في مسامع النسوة المتخشبات بحكم العادة ، والجافات بحكم ممارسة الأشياء في الخفاء . وهي بذلك الرنين أيضا تسامر الليل ، والعشاق ، والسهارى ، والأطفال ، والأحلام ، والأمهات ، والثكالى ، والمساجين ، والفقراء ، والبسطاء ، والموتى كي لايشعرون بالوحشة والحزن .
*لكِ أيضاً تحت الطبع لهذا العام رواية ومجموعة شعرية ॥ فماذا عنهم؟ نعم المجموعة الشعرية هي جديدة، فنصوصها مابعد المجموعة السابقة ، تعرفين هذا العام هو عام ( مسقط عاصمة الثقافة العربية ) وربما ينبغي أن ننجز مايليق بنا لننسب أرواحنا لها .. أما الرواية فهي تتكور بين يدي عجنا وخبزا منذ زمن ليس بالقصير ، ولاأخفيك كنت ولازلت متخوفة منها ، لكنني سأقترفها بعناد !
*هل أنتِ شاعرة فقط ، أم أنكِ تملكين مشروعاً جمالياً
لدي فكرة غريبة نوعا ما .. أنا أؤمن أن الشعر هو جزء من الإنسان، كل إنسان هو شاعر ، أليست مادة (شَعَرَََ) هي أصل الشعر ، وكل إنسان يملك مساحة للشعور ، فقط تختلف الأداة التي يستخدمها الكائن لإنتاج نصه ، فالرسام ينتج نص لوحة، والأم تنتج حنانها نصا ، والخباز ينتج نصه أرغفة ، والمغني حنجرته نص، والمزارع ينتج نصا أخضرا.. وهكذا.. كلنا محكومين
أما الجمال فهو خيار الكائن الهش ॥ الجمال هو لذة الحفر العميق لاستنبات صور الكائن الأجمل । والشعر هو معادل الجمال॥ مشروع الجمال ومشروعيته هي مساحة الكائن الحقيقي الذي ينبغي أن يشتغل عليها الكل ॥ أتمنى أنني هما معا .. أو أحقق على هذين الصعيدين شيئا ما يوما ما । ·
*كيف ترين حركة الأدب في عُمان مقارنة بالدّول العربيّة
من اللامنطقي مقارنة حركة أدب في بقعة ما ، لها ظروفها الجغرافية والسياسية والاقتصادية بحركة أدب آخر .. ومع هذا فالأدب العماني يملك إرثا ثقافيا مرعبا من وفرته وعمقه ، ويملك حاضرا ثقافيا مزدهرا ..و ليس كعمانية فقط بل كمتابعة للحركة الثقافية العربية يمكنني القول أن حركة الأدب العماني متقدمة جدا وجاهزة للمستقبل بأدواتها الحقيقة ( مع عدم التطرق للمؤسسة التي تحاول أن تقدم بعض الدعم ولكنها لاتزال مقصرة جدا) . ·
*هل ترين أنه هناك ملامح للشعر العماني؟
نعم للشعر العماني ( وهذه من علامة الصحة والنضوج لأي أدب ) ملامح خاصة وجادة، وواضحة ، وجلية ، ومستمدة من الأرض بجغرافيتها ، وتاريخها وحاضرها ، وتكوين الإنسان النفسي ، والقيمي فيها . ·
نعم للشعر العماني ( وهذه من علامة الصحة والنضوج لأي أدب ) ملامح خاصة وجادة، وواضحة ، وجلية ، ومستمدة من الأرض بجغرافيتها ، وتاريخها وحاضرها ، وتكوين الإنسان النفسي ، والقيمي فيها . ·
*ماذا تعني لك الحرية في الإبداع؟ -
أن ينشر أي نص (صحيح فنيا) يكتبه أي مبدع كما هو بلا جرح أو خدش لملامحه الخاصة .
أن يسمح بقول لا تماما كما يسمح بقول نعم
أن لاتكون هناك تابوهات في الثقافة
أن يكون المثقف هو من يدير شأن الثقافة ، و هو الذي يحرك المؤسسة وليس العكس ।
*دائماً المبدعات و لا زلن متّهمات بكونهن البطلات الحقيقيّات لما يكتبن ॥ ما
ولماذا المرأة المبدعة بالذات تحاكم على إبداعها عكس الرجل؟! أولا ..لايوجد كائن ( رجل أو امرأة) يكتب بمعزل عنه ، عن فكره ، وعن ثقافته، وعن ذاته .. يعني نحن نكتبنا ولو بمواربة ولو من زاوية ما ..وهذا ليس مأخذا ، بل قد يكون أمرا ذا دلالة إيجابية ، لأننا نعيش الفكرة ونعتقها داخلنا فنكتب بعمق وواقعية
ولكن لماذا المبدعة بالذات هي التي تحاكم على إبداعها عكس الرجل?
لأننا مجتمعات ذكورية يتحدث عن حقوق المرأة ، ولا يحقها ، فالمرأة دائما في قاعة محكمة ، زوجة ، وأخت ، وحبية ، فكيف بها كاتبة ؟! أي قررت أن تنصب بدورها محكمة ، وتحاكم الذات والآخر والمجتمع ॥ هنا تصبح صابئة مارقة وخارجة ، ينبغي أن تحاكم ثم تجلد حتى تنسى ، وتتراجع । ·
*ماذا يعني لكِ اشتراكك في معرض فرانكفورت الدولي عام
مشاركتي عنت لي الكثيــــــر ، الكثير حقا ،، وحين أقول الكثير فهذا لايعني إيجابيا فقط ॥ ببساطة كان وجودي في معرض فرانكفورت الحجر الذي أثقل داخلي بالمسئولية ، وبالتجربة وبالسعي نحو تطوير الذات الشاعرة نحو شيء خاص جدا بها ، نحو المغايرة للذات وللآخر ربما ، شعرت فجأة أنني أصبت بحالة من اللارضى ، وهذا بداية البداية نحو التكوين الثقافي السليم، هناك أيضا شعرت بقيمة الثقافة والأدب في المجتمعات الأخرى، فأن تحضر لأمسية قد لاتفهم كل مايقال فيها ، ومع هذا أنت تواظب على الحضور فهذه قيمة إيجابية كان علينا أن نتعلمها منذ وقت مبكر، وفي هذا المهرجان عرفت أسماء وقامات ثقافية وشعرية سامقة ، كنت أقرأ لها فقط ، (المعرفة أيضا تتضمن الجانبين السلبي و الإيجابي) । ربما ينبغي أن أعترف أن البوصلة التي في رأسي اهتزت بعد هذا المعرض لتصبح أكثر قلقا واضطرابا وهذا ما أريده فعلا ।
*وماذا تعني لكِ أيضاً المهرجانات حيث أنكِ شاركتِ في العديد من المهرجانات
لم أشارك في الكثير منها حقا ॥ مع هذا أعتقد أن المشاركة في المهرجانات مهمة جدا ، إنها الفرصة الحقيقية للاحتكاك الثقافي المباشر ( بعيدا عن الجوانب الإنسانية التي قد لا تكون بمستوى الطوباوية التي نحملها كمتلقين) والتفاعل الثقافي من خلال حضور فعاليات وأمسيات متنوعة ومغايرة ، للتماس الحقيقي مع أجمل مايقدمه الآخر أو- ما يفترض أن يقدمه- ، من خلال المهرجانات ।
تعليقات