التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

عازفة من نوع خاص على الأوتار الإنسانية

فاطمة الشيدي لـ(أشرعة) جريدة الوطن २० / ९ / 2006: النص يصلح أن يكون وشاية لذيذة بنا ولكنه لا يصلح أن يكون محاكمة لنا
حاورتها ـ فايزة الهيملي:


شاعرة وكاتبة وناقدة من السلطنة .. تعمل باحثة بمناهج اللغة العربية التابعة لوزارة التربية والتعليم .. ترجمت بعض نصوصها إلى الإنكليزية والألمانية والهولندية والتركية .. صدر لها (خلاخيل الزرقة .. مجموعة شعرية 2004 عن دار المدى دمشق) و(هذا الموت أكثر اخضرارا .. مجموعة شعرية 1997 عن دار الرؤى مسقط) لها رواية ، ومجموعة شعرية تحت الطبع .. حاصلة على درجة الماجستير في اللغة العربية ، وتعد الدكتوراه حاليا في اللسانيات (أسلوبية النص
(لطالما أعجبتني) الهند .. جواب وحيد لأسئلة كثيرة .. يسرني هذه المرأة يا عزيزتي التي لا أشبع من قراءة أعمالها أبدا أن تكوني ضيفتي في حوار صحفي بكامل التفاصيل الشيقة عن حياتك وكتاباتك أيتها المبدعة التي تحب الاختباء دائما .. فاسمحي لي ان اسحبك لمنصة أشرعتنا الثقافية لتبوحي لقرائك بما تودين البوح به .. عن الهند وعن المرأة وعن الظلم الذي يمارس على المثقفين .. وعن لعبة الاختباء التي يمارسها المثقفون .. وعن المثقف والسياسة وعن وعن .. متأكدة أن هناك اشياء جميلة تخبئينها في جعبتك .. كانت تلك رسالتي لها عبر البريد الالكتروني بحكم تغربها للدراسة خارج الوطن .. أرسلت لها بعد موافقتها الاسئلة وجاءتني بعد اسبوع تقريبا بتحية خضراء صيفية مصحوبة بسلة مليئة بالردود الشيقة ..
* كيف يبدأ الكلام مع فاطمة الشيدي؟
** يبدأ الكلام ، حين تشحذ دفوف الذاكرة للعبة القرع الموازي للوجع أو الفرح الفار من القبض ، العصي على السيطرة ، حين نكون على أشدنا في الضعف ولا نملك إلا الكلام .. الكلام الذي لابد أن يقال كي لا تنفجر الروح ، يبدأ الكلام من نقطة مضطرمة لابد أن تستسلم للحظة الكتابة لتتحول بردا وسلاما ، قبل أن تتصير لاحقا ندبة في ذاكرة القلب، يبدأ الكلام بفاصلة منقوطة نقول بعدها أشياءنا التي تلمع بشدة في ذلك الوقت وتحتاج تدليلا مبالغا فيه ليستيقظ الحنين أو ليسقط .. لا فرق ، ليتثنى الوله أو يستثنى لا فرق أيضا .. يبدأ الكلام حين يقرر هو فقط أن يقال .
* لحظة ولادة الشاعرة فاطمة الشيدي ؟البداية ليست نقطة ، مع أن فكرة النقطة صالحة للعبث بها داخل أطر التلوين الموضعي للفكرة والتمدد العرضي لها ، لكنها حقا ليست نقطة إلا إذا كانت النقطة قناعة بك داخل فكرة ما ، وهذه أظنها نكتشفها في مراحلنا القصيرة الامتداد على أعمارنا القصيرة أصلا .. البداية لجج دائرية تتخلق لتكونك وقلمك ، بدايات داخل النهايات ، ونهايات لا تعرف لها بداية . البداية كفكرة التناسخ حادثة متكررة ، وربما دائرية الرحى ، البداية كالماء لحظة لا تعرف كيف تقبض عليها ومتى تفعل ، لكنك تعرف أنك كائن قبلها بشكل مغاير لما قبلها، لذا فنحن نبدأ كثيرا ودائما كما ننتهي أيضا كثيرا ودائما .
* يتميز قلم فاطمة الشيدي بالإنسانية المفرطة وكأنها تقول: إن الأدب لا يسمو إلا بالإنسانية .. هل نعتبرها حقيقة مؤكدة من فاطمة؟** أعتقد أن الأمر عكس ذلك ، بمعنى الكتابة تنطلق من الذات وليس العكس ، وليست الفكرة في افتعال قيم (الإنسانية) داخل نص ليقال هذا نص إنساني ، إنها الفكرة المضادة فمتى ما أوجعك الهم الإنساني تكتب عنه ، فيأتي نصك إنسانيا ، والأدب في النهاية هو حادثة إنسانية ، لحظة داخلية عميقة تنطلق مكثفة وصالحة للخلود بعد ذلك ، هذه اللحظة المتصاعدة التكوين قد تكون خاصة جدا ، وقد تكون عامة ،وقد تكون تأثرا خارجيا انعكس بشدة وسطوع في مرآياك الداخلية ما أريد قوله باختصار إن الإنسانية فكرة مرنة ومطاطة ، وقد تكون فضفاضة أيضا ، لذا فقد تستوعب كل ما نكتبه حتى شغبنا اللذيذ ، ووجعنا المعجون من مراهنة خاصة على الذات ، لكنه في النهاية هم إنساني عام ووجع يصلح أن يتخذه كل متوجع مساحة أو زاوية للبكاء والتفجع وربما للفرح .. إذ نكتبنا نكتب الكثيرين مثلنا .. ربما لأننا أصابع الكينونة التي قررت أن نحمل هموم العالم ونعبر عنهم ،ألا نشعر (غالبا) بأن نص ما أو أغنية تعبر عن حالتنا الخاصة جدا، فكأنها كتبت من وحي حالاتنا .. هذه هي المشاركة الإنسانية .. ومع كل هذا اللف والدوران والتحايل على سؤالك إلا أنني أتألم وأتفجع وابكي وبشكل مماثل للحالة التي يعيشها أصحاب وضع مأساوي في مكان ما في العالم، لكل طفل يموت في مكان ولكل عجز يقطر من عجوز يضع يده المعروقة بخطوط الزمن على خده، ولكل كائن يصرخ لفقد.. قد أكتب عن ذلك أحيانا وقد أكون أضعف من التعبير فأعجز عن الكتابة ..
* الهند: جواب وحيد لأسئلة كثيرة .. - لطالما أغرمت بإنسانية حروفك عندما تصفين تلك الممرضة الهندية ، وعامل المزرعة الهندي ، وملائكية وجه المهاتما غاندي - بنفس جمال تلك الحروف .. أخبرينا ما قصتك مع الهند ؟
الهند هي الحضارة المرافقة لذاكرتنا سيدتي ، الحضارة التي أخبرنا التاريخ أنها قدمت لليونانية واللاتينية مفاتيح العلوم من خلال الترجمة ومن ثم للعربية ، والهند هي المكان الذي اتخذه العماني منفتحا للتجارة والحياة في معظم فتراته التاريخية، الهند هي العالم الغرائبي المثير للمخيلة بكل طقوسه وأساطيره.. ثم هي بعد ذلك الحياة المرافقة لحيواتنا اليومية منذ كنا نصافح الحياة بأوهن أصابع الحضور، هي الوجوه المتكررة الحضور في كل بقعة من أرضنا، الابتسامة التي ترافقنا من البيت حتى الشارع .. الصمت الذي ترافقه حركة الرأس التي ألفنا بأخوة التراب والأرض. ثم هي بعد ذلك الثقافة العظيمة للهند فنا وأدبا وثقافة (ويكفي التدليل بطاغور فيلسوف الهند العظيم) ، الهند عوالم كثيرة جدا من الدهشة والجمال والأسطورة والفن والحضارة والقيم العالية، والدروس المستفادة، وأن نكتب عنها سطورا قليلة ؟، فهذا قليل جدا في حقها.
* لماذا تمارسين لعبة الاختباء دوما في الساحة المحلية ؟
** سؤالك ذكرني بلعبة (الغميضة) تلك التي نتعمد الاختباء فيها ، ولكن ليس الأمر هكذا ،فأظن أن فكرة الممارسة تحتاج قصدية وحراكا ، ولو في المكان ، وهذا ما لا يحدث أبدا ، فقط الفكرة تكمن في جانبين أولا : المساحة المتاحة لك أو المقدمة من ذوي الشأن الخاص لتفعيل حضورك ، ومشاركاتك في الساحة المحلية (بافتراض وجودها المستوعب للجميع) ، وهذه غير موجودة أصلا فلا مساحات حقيقة للمبدعين أو لجميع المبدعين بشكل أكثر دقة وموضوعية ، وتحديدا لأطر الكلام كي لا يسقط المعنى من حواف الكلام ، ثم هناك طاقتك النفسية وآلياتك الخاصة بالبدء والمبادرة والسعي نحو في فكرة طرح أو تقديم الذات للحضور وهذه وللأسف طاقة لا أملكها .. مع هذا أنا اكتب وأنشر في المساحات الجميلة المتاحة وأشارك ما أتيح لي وما دعيت .. كما أنني حاضرة خارجيا فقد نشرت في الكثير من البلاد العربية .. ربما هذا العام ظهر غيابي بشكل حاد (وكنت أتمنى ألا يكون ، لما لهذا العام من خصوصية ثقافية لكون مسقط عاصمة الثقافة لـ 2006 بحكم ظروف دراستي خارج السلطنة .
* المثقف والسياسة هل هما توأمان بنظرك ؟
** لا طبعا .. بل هما خصمان كما ينبغي .. والذي يعنيني هنا هو المثقف ، فهو يفترض أن يكون مشاكسا بالضرورة، لكل سائد وكل خلل سواء اجتماعي أو سياسي، فالمثقف هو منظر وربما حالم ، وأداته قلمه ، كما أنه مباشر وصريح ، أي غير مراوغ وهذا ربما عكس السياسي ، لذلك فهو غيور على القيم المثالية والجمالية العامة والمنتزعة من عوالمه التنظيرية (الأفلاطونية) والمستقرة في ذهنه، لذا نجده ينتقد دائما وغير راض.
* في أحد مقالاتك عن المرأة .. قلت إن المرأة في نظر الرجل العربي محكومه بإطار الرغبة والنزوع لتملكها .. هل تعتقدين أن هذه النظرة ما زالت سائدة رغم الانفتاح الذي دخل إلى عالمنا العربي من أوسع الأبواب ؟
** النظرة قد تتغير أو تتبدل ، وقد تكون كالماء الذي يتشكل وفق الإناء المعد له سلفا ولكنها تبقى بنفس المضمون، فكرة الضمنية والاستحواذ، الرجل الذي ينظر للمرأة على أنها جزء من كينونته الخاصة ، الكائن الذي اقتد من ضلعه ، وينبغي أن يبقى في إطار أضلعه الباقية ، الكائن الظلّي الذي ليس له مساحات خارج إطار الجسد الذكوري ، لأنه متماهي وغير قادر على العيش إلا وفق الكائن الأصل .. إذن هي فكرة أصل وفرع ، وكل وجزء .. كما أنها فكرة قوة وضعف ، وعجز وحماية ، فالكائن (الثاني) المرأة هش وضعيف من الخارج والداخل ، وغير قادر على تحمل مصاعب الحياة ، كما أنه غير قادر على حماية ذاته من التعب والفتنة (والثانية مكمن الكارثة) فهو سهل الإغواء أو يحمل بذرة الخيانة بالقوة ، والكائن (الأول) الرجل ، الكائن القوي بالفعل يشكل اليد التي تحمل عن الثاني مصاعب الحياة ، والدرع الذي يشكل حماية ضد مسببات الخيانة التي يمارسها بالفعل أيضا. طبعا الكلام في هذه النقطة ليس بشكل مطلق ، وغير عام أو كلي ، ولكن بشكل عام وبنسبة كبيرة جدا ، فالرجل الذي يعيش أدوارا متناقضة في حيواته يمارس قمعا على المرأة ، كما أن الفصام الذكوري هو السمة الأكثر بروزا في الرجل بشكل عام والرجل العربي بشكل خاص، أما عن الانفتاح يا صديقتي فقد أصاب القشور أو قشور القشور فقط ، وبقي اللب مظلما وربما يزداد إظلاما يوما بعد يوم فليس المظهر الخارجي ، ولا التقدم التكنولوجي الذي نتباهي بغباء به ، ونحن الذين نستورده مثل الهامبورغر هو الانفتاح ، والعقول خرائب مظلمة يعشش فيها البوم وتنعق بها الغربان ، إننا في الحقيقة نعاني من تراجع بيّن ، ومن ضمور قيمي وأخلاقي على جميع الأصعدة ، إنا ننقرض ونتلاشي ونتماهى في الآخر، المبهورين به ، وحتى هذا الآخر نحن نلهث وراء البالي والمزيف والسريع من قيمه ، في حين نغض الطرف عن قراءة العمق الذي وصل به نحو هذه الحضارة ، نقلد كالغراب العام والساذج والمستهلك والمطروح من قيم رخيصة ، وحضور مبهرج ، في حين لا نحفل بالجمال الذي يحتاج عينا مدربة وروحا متفحصة للبحث عنه ، ولا نحفل بالنخب التي تقف ضد الزيف المستشري كالنار في الهشيم . الحديث هو المرأة والرجل والمجتمع الشرقي الذي يعاني الشيزوفرينيا حتى العصب واسع ومتشعب وذو شجن .. ولعل هذا يكفي هنا .
* الجميع يقول إن المرأة أعطيت جميع حقوقها وزيادة .. ما هي الحقوق التي أعطيت للمرأة ولا تعترف بجدواها فاطمة الشيدي وما هي الحقوق التي تطالب بها فاطمة للمرأة ؟
** الرؤية الشكلانية أو الأحادية الجانب تقتضي التصفيق والتهليل ، تقتضي الشكر والعرفان ، ولكن التوغل للأعمق قليلا يصيب بالحزن وربما بالدوار ، كل الحقوق ناقصة ، ومشوهة ، كل شيء شكلاني وزائف ، والرجل لازال يملك دفة السفينة ويقودها نحو ضفته هو أولا وأخيرا .. قبل كل شيء الحقوق لا تطلب ولا تمنح ، إنها تتحقق بإرادة كائن وينبغي أن تضمنها الشرائع والقوانين السماوية والأرضية .. من الحقوق التي أطالب بها الإنسانية.. هذا ليس حقا ممنوحا من الكائنات الأرضية ، إنه حق علوي من قبل الخالق ، حين جعلها كـ(هو) في البنى الخارجية (الهيكلية والجسدية) ، والبنى الداخلية العقلية ، السيكلوجية و.. و.. فهل إنسانية المرأة في مجتمعاتنا بخير ، هل هي محترمة ، ومصانة بين متحكم وعابث؟ النظرة لا تتجاوز أن تكون متعة أو ملكية وبينهما لا وجود للمرأة بشكل آخر . انظري لفكرة الأسرة (الشكل المبجل شرعيا ودينيا كنواة للمجتمع) الرجل هو الذي يختار المرأة أولا، ثم يتحكم في سيرورة حياتها ومشاريعها الإنسانية عامة ثانيا، ثم ومتى ما شعر بالملل منها، أو وجد أخرى أكثر سذاجة أو جاذبية لا فرق يستبدل الثانية بالأولى، يتركها محملة بالحنين والألم ، وكائنات صغيرة عالقة في روحها ، وشظف شعوري ومادي . ثم من الحقوق المساواة الحقيقية التي تعامل وتهيأ المرأة من قبل المجتمع بكل مؤسساته من الأسرة وحتى المحاكم لتكون كيانا خاصا دون سيطرة كائن آخر، تتعلم وتخرج للعمل وتملك أرضا أو بيتا ، حتى تحقق إنسانيتها خارج الإطار الذكوري والحماية الافتراضية ، والتحكم المبرر بذرائع خارجية .
* تقولين في أحد مقالاتك إن المرأة غزت الأرض والبحر والفضاء ، وتفوقت على الرجل في الكثير من الميادين ، فهل صدق الرجل العربي ذلك أم أنه لازال يتحسس لحيته وعضلاته رغم الانفتاح الذي دخل عالمنا العربي بنظرك هل ما زال آدم يتحسس لحيته وهو ينظر إلى حواء؟
لازال ، وسيبقى يتحرك بكله كلما مر طيف امرأة إلى جواره، لأنه لازال لا يؤمن بها خارج إطار الرغبة المحمومة ، والجسد الفاكهة .
* لك رأي في أصحاب الغناء و الموسيقى .. كيف ترى فاطمة الشيدى كائنات الموسيقى الحالية ؟** في مقابلة مع الفنان خالد الشيخ قال : الأفكار تصدأ كالأسلحة وينبغي أن نغير أفكارنا بين الفينة والأخرى لنواكب العصر ، وأن من حق كل جيل أن يصنع نجومه ، أتبنى تماما هذا الكلام فهو يختصر كل ما يمكنني أن أقوله ، فإذ أكون بذائقة كلاسيكية ، وذاكرة طربية ، وإذ أكون أعنى بالأغنية بشكل كلي يتكون من ثالوث عظيم: كلمة عميقة وخضراء ، قادرة على تلمس ذاتي ومحاكاة وجعي وفرحي وعشقي ، ومن لحن مصنوع بتفرد وبحرفنة وقادر على بث عصافير الدهشة في مخيلتي ، وإطلاق صفارات التهيؤ والتحفز للتلقي في روحي ، وكل هذا ينطلق من حنجرة مالحة تهب المعنى أكثر من معنى ، وتهب الموسيقى امتدادا أوسع أفقيا ورأسيا ، كالأسماء التي ذكرت (وهم على سبيل المثال لا الحصر) ، إذن أنا اسمع ما يروقني وهذا لايعني أبدا أن أنفّر مما خارج ذائقتي ، أو انتقدهم .. فهناك من يستمع ، وهنا من يتلذذ ومع هذا، فالسيل هو الذي يبقى أما الغثاء فيذهب جفاء ، والزبد يذوب ويبقى البحر ، فللزمن غرباله الجميل
* على اطراف الغربة ـ عقيمون ـ ظامئون ـ نعبر لجج الكون بلا قارب أو طوق نجاة .. الغربة لفاطمة اختيار مرغوب فيه أم مرُ مفروض عليها ؟
الغربة هي قدر الكائن ، والعزلة هي خياره ، إذن هي خارج الرغبة والفرض معا ، نحن كثيرا ما نزايد حتى على أوجاعنا ، ومع هذا نعرف أن نمضي في الكلام من نقطة متماهية إلى نقطة متماهية أيضا ، وحين يعتورنا الحنين أو الألم نكتب ، وإذ نكتب لا يعني أننا نكتبنا ولا يعني أننا لا نكتبنا أيضا ، فالنص يصلح أن يكون وشاية لذيذة بنا ، ولكنه لا يصلح أن يكون محاكمة لنا ، إننا خارجه ، وهو الذي داخلنا ، لذلك قد يمثلنا أو يشبهنا ، ولكنا لا نشبهه ولا نمثله بصدق . والغربة في الغالب قهرية، وأنا هنا أتكلم عن الغربة الداخلية ، لأن الغربة الخارجية ما أن تحمل وطنك وكائناتك الخرافية في حديقة حقيبتك وبهو ذاكراتك الذهنية ، وحافظة ذاكرتك الرقمية، وما أن تحمل حلما لذيذا بالعودة والسقوط في أحضان من تحب لبضع دقائق ، حلما منسقا بتوقيت انفجاري جاهز للحضور الزمني بينهم لا تكون غربة أبدا . إلا إذا تحولت غربة قصية وقرارا جبريا فالله المستعان وأنا خارج هذا الإطار والحمد لله . إذن الغربة الداخلية قهرية حيث تفرضها عليك الحياة ، إذ تشكل أنت كتلة غير متناغمة مع الأشياء المتدحرجة على البسيطة المتاحة لخطوك ، وتشكل صوت نغمة شاذة في العزف الكلي للجوقة العامة ، لذلك تكوّن وطنا داخل الوطن ، زاوية نحتجز فيها ذواتنا خارج أوهام الكيانات المتشكلة قصرا وطولا ،مساحة للهروب العذب من أقدار الكائنات الصنمية الباردة ، قرارا لذيذا بالرفعة والسمو فوق الترصف والوضيعية ، جدار حماية (بشكل تقني) ضد الفيروسات ،لقاحات ضد وباءات التشيؤ والعبثية والتسطح المريض .
* ككاتبة وشاعرة وقارئة جيدة .. ماذا تقول فاطمة الشيدي عن المشهد الثقافي العماني في العصر الحالي؟** لا أملك أن أقدم تقييما للمشهد الثقافي العماني بشكل عام ، ربما لأني لست ضمنه كثيرا ودائما ، لذا قد لا أخبره جيدا ، ومع هذا فأنا أعرف أن له ميزتين عظيمتين ، الأولى أنه متنوع (وإن لم تستغل هذه الميزة جيدا إلا في الخلاف ،والإقصاء ،والشِللية) فهو وسط متنوع على جميع الأصعدة ، الكلاسيكي والحداثي ، السرد والشعر ، وكل الثنائيات المتقابلة التي يمكن أن توضع هنا وهناك ميزة أخرى أنه وسط نامي، ومتغير، (رغم أن استثمار هذه الميزة مشلول أيضا) ويظهر النمو والحراك في كون أن هناك أقلاما جادة وحقيقية تظهر بين الفترة والأخرى، وهناك كتاب وشعراء تتبلور تجاربهم بشكل حثيث ومبدع، وهناك مجلات وملاحق ثقافية تولد، وهناك مجموعات تطبع. إنه ببساطة وسط حي ومتحرك وهذا امتياز حقيقي للثقافة العمانية التي تؤازرها جغرافيا عظيمة ومتنوعة ، وتاريخ ثقافي تمتد جذوره في العمق .

تعليقات