فاطمة الشيدي
جريدة الزمن 2006
للقلب ذاكرة حية، وعصية على النسيان والموت، والمكان جزء من تلك الذاكرة، الأمكنة ليست حواف الكون، وليست خرائط الخارج الصماء إلا من ارتفاع أو انخفاض، وليست تلك التضاريس المتعرجة بجسد الكرة العجوز।
المكان هو ألوان الذاكرة المترسبة في قعرها، لتحدد تماما معنى اللونية؛ الأزرق هو البحر الذي تذوقنا ملحه على بعد ضحكة لا متلاشية، والأخضر هو السدرة الأم برمزية الحنان المتسرب من أفنانها الغضة، والبني هو الحناء المتضوع من ردن الجدة الحكيمة، المكان هو أرواح من سكنوه، وإذ نحب مكانا فنحن بضرورة العشق نحب ساكنيه، نحب لون أصواتهم، ورائحة قلوبهم، وإذ نغادر الأمكنة ولم تخدشنا ببقايا حنين، ولم تجرح الذاكرة بصدى ذكرى معينة، فنحن لم نعانق بحميمية اللقيا ساكنيه، ولم ننفذ لهم أو لم ينفذوا لنا بفوضى ضحكة يتيمة، أو عبث دمعة حقيقية، فلا مكان لذلك المكان في ذاكرة القلب..
المكان الذي ليس غواية الأطر، إنه حالة تأثيث للذاكرة بروائح الحزن والعشق، بصدى الصخب والفرح والضحكات الممتدة حتى أفق اللانهايات، إنه لغة الحب والصداقة، والكلمة الجارحة حد الماء، والحادة حد الحياة.
وكلما كبرنا- ونحن نكبر كل يوم بلا رغبة وبلا تخطيط- تغادر رائحة العشب قلوبنا، لتصبح برائحة الدخان، ولا يعود لأرواحنا متعة الاكتشاف والتجريب والبحث، نصبح فقط راغبين بأن نتشبث بما لدينا، بالأرواح التي تعيش داخلنا وإن لم تكن بالقرب منا، بالأمكنة التي تسكننا وإن لم نسكنها، نتمسك بمن نعرف، وبما نملك، ونحرص أن يكونوا بالقرب حيث ذاكرة القلب تماما.
كلما كبرنا نصبح غير قادرين على الانحياز للجديد، يصبح كل جديد طارئ، وغالبا لا يعوّل عليه، فنستحضر كل شيء من الذاكرة القديمة، من زمن التدوين حيث كان كل شيء يحفر أخاديد لن يقدر الزمن عليها فيما بعد، نستحضر الأسماء المنقوشة داخلنا بشدة وسطوع، والوجوه المشرقة كصباحات ربيعية، والأمكنة التي خاطت الأرواح مع كل خطوة عبرتها.
كلما كبرنا لا نصبح بذات الحدة التي كنا عليها، ولا يصبح مقبولا منا أن نقسو كي لا تنكسر أرواحنا الهشة، كلما مر العمر نصبح أكثر اقترابا من الأرض، نحب ملامسة الأشياء بعمق، نتحسسها بلذة، لنستشعرها وكأننا نتنفسها تماما، نصبح أكثر ليونة وصفاء كالماء، وأكثر اتساعا وامتدادا كالتيه، وكثيرا ما لا ننتبه للكثير من الأشياء التي تعبرنا أو نعبرها، تصبح الرؤيا غبشية، والأشياء هامشية، لكن الماضي يزادا سطوعا، يصبح ثرثارا بلغة الأمكنة، وبحوارات الماء والزرقة، شهيا بلثغة العصافير فوق سدرة البيت، حكيما بأحاديث الرمل يُسرّها للغافة العجوز عند مدخل الذاكرة، وعند مخارج الفرح الأرعن.
ومع العمر يصبح كل شيء قابلا للطي، تصبح الأشياء التي كانت تشكل قلقا حادا سهلة جدا، حد أن تكون قابلة لأن تتخذ شكل صرة نرميها في البحر، أو حزمة حطب نتدفأ بنارها إذ نحرقها ونتلذذ ببهجة تلاشيها، ويكون لزاما بين الفينة والفينة أن نعمل "دليت" للكثير من الأشياء كي نخلّص الذاكرة من عبء ثقلها التي ترزح تحت وطأته، وحين نواجه ما يستصعب على الحذف، نعمل "فورمات" (هكذا ككائنات رقمية)، لنستعيدنا ببساطة.
وندرك جيدا أننالم نكن يوما حزانى، ولا غضاب بصدق، ولم يكن يوما ثمة وجع حقيقي، ندرك أن كل شيء كان مجرد دلال شعوري، فلاشيء أبدا يستدعي الحزن..
ربما كنا ندلل أرواحنا بالحزن، ونغتسل بالدمع لنصبح أكثر خفة ونحن نكتب نصا جنائزيا حين تكون درجة الوعي وطاقة التأمل القصوى على أشدها في التحفّز والجاهزية المرعبة، تلك الحالة التي تشبه حالة وخز حادة تجرح الروح، ولا تملك معها سوى الجزع والصمت لفترة، أو كتابة نص موجع.
وربما لا يمكننا حتى أن نكتب! فحين تمضي في الحياة وترى الأوجاع الحقيقية لا تملك سوى أن تصمت، أو تتظاهر به، تضحك أو تدّعي الضحك كحالة رفض أشد من الحزن ومن الكتابة عن الحزن، ووجع أقسى من الألم، ومن تجسيد ذلك الألم بلغة ما، إنها حالة إدراك فقط.
حديث عادي جدا مع صديق، قد يجعلك فجأة يغمرك شعور غامض، شعور بالألفة البسيطة والحقيقية، بالحزن الدافئ، والسلام الجميل، بالحنين لمشاعر عشتها يوما، وأمكنة أحببتها وكائنات قديمة في ذاكرة القلب، لها رائحة شجر الغار، أو رائحة البحر، أو رائحة الزمن الجميل المضرج بالقيم الرفيعة، كالنبل والصدق، شعور يوقد فيك شجن حار قادر أن يجعلك تفرح وتحزن في وقت واحد، يجعلك تتحسس قلبك وتعرف أنه يملك ذاكرة لها لون قرمزي يشبه ألوان قوس قزح، وطعم ورائحة تشبه القهوة الممتزجة بالهيل والقرنفل، وماء الورد والزعفران، فتهز تلك الذاكرة ببطء لتتساقط أقمار العشق، ومطر الحنين ।
المكان هو ألوان الذاكرة المترسبة في قعرها، لتحدد تماما معنى اللونية؛ الأزرق هو البحر الذي تذوقنا ملحه على بعد ضحكة لا متلاشية، والأخضر هو السدرة الأم برمزية الحنان المتسرب من أفنانها الغضة، والبني هو الحناء المتضوع من ردن الجدة الحكيمة، المكان هو أرواح من سكنوه، وإذ نحب مكانا فنحن بضرورة العشق نحب ساكنيه، نحب لون أصواتهم، ورائحة قلوبهم، وإذ نغادر الأمكنة ولم تخدشنا ببقايا حنين، ولم تجرح الذاكرة بصدى ذكرى معينة، فنحن لم نعانق بحميمية اللقيا ساكنيه، ولم ننفذ لهم أو لم ينفذوا لنا بفوضى ضحكة يتيمة، أو عبث دمعة حقيقية، فلا مكان لذلك المكان في ذاكرة القلب..
المكان الذي ليس غواية الأطر، إنه حالة تأثيث للذاكرة بروائح الحزن والعشق، بصدى الصخب والفرح والضحكات الممتدة حتى أفق اللانهايات، إنه لغة الحب والصداقة، والكلمة الجارحة حد الماء، والحادة حد الحياة.
وكلما كبرنا- ونحن نكبر كل يوم بلا رغبة وبلا تخطيط- تغادر رائحة العشب قلوبنا، لتصبح برائحة الدخان، ولا يعود لأرواحنا متعة الاكتشاف والتجريب والبحث، نصبح فقط راغبين بأن نتشبث بما لدينا، بالأرواح التي تعيش داخلنا وإن لم تكن بالقرب منا، بالأمكنة التي تسكننا وإن لم نسكنها، نتمسك بمن نعرف، وبما نملك، ونحرص أن يكونوا بالقرب حيث ذاكرة القلب تماما.
كلما كبرنا نصبح غير قادرين على الانحياز للجديد، يصبح كل جديد طارئ، وغالبا لا يعوّل عليه، فنستحضر كل شيء من الذاكرة القديمة، من زمن التدوين حيث كان كل شيء يحفر أخاديد لن يقدر الزمن عليها فيما بعد، نستحضر الأسماء المنقوشة داخلنا بشدة وسطوع، والوجوه المشرقة كصباحات ربيعية، والأمكنة التي خاطت الأرواح مع كل خطوة عبرتها.
كلما كبرنا لا نصبح بذات الحدة التي كنا عليها، ولا يصبح مقبولا منا أن نقسو كي لا تنكسر أرواحنا الهشة، كلما مر العمر نصبح أكثر اقترابا من الأرض، نحب ملامسة الأشياء بعمق، نتحسسها بلذة، لنستشعرها وكأننا نتنفسها تماما، نصبح أكثر ليونة وصفاء كالماء، وأكثر اتساعا وامتدادا كالتيه، وكثيرا ما لا ننتبه للكثير من الأشياء التي تعبرنا أو نعبرها، تصبح الرؤيا غبشية، والأشياء هامشية، لكن الماضي يزادا سطوعا، يصبح ثرثارا بلغة الأمكنة، وبحوارات الماء والزرقة، شهيا بلثغة العصافير فوق سدرة البيت، حكيما بأحاديث الرمل يُسرّها للغافة العجوز عند مدخل الذاكرة، وعند مخارج الفرح الأرعن.
ومع العمر يصبح كل شيء قابلا للطي، تصبح الأشياء التي كانت تشكل قلقا حادا سهلة جدا، حد أن تكون قابلة لأن تتخذ شكل صرة نرميها في البحر، أو حزمة حطب نتدفأ بنارها إذ نحرقها ونتلذذ ببهجة تلاشيها، ويكون لزاما بين الفينة والفينة أن نعمل "دليت" للكثير من الأشياء كي نخلّص الذاكرة من عبء ثقلها التي ترزح تحت وطأته، وحين نواجه ما يستصعب على الحذف، نعمل "فورمات" (هكذا ككائنات رقمية)، لنستعيدنا ببساطة.
وندرك جيدا أننالم نكن يوما حزانى، ولا غضاب بصدق، ولم يكن يوما ثمة وجع حقيقي، ندرك أن كل شيء كان مجرد دلال شعوري، فلاشيء أبدا يستدعي الحزن..
ربما كنا ندلل أرواحنا بالحزن، ونغتسل بالدمع لنصبح أكثر خفة ونحن نكتب نصا جنائزيا حين تكون درجة الوعي وطاقة التأمل القصوى على أشدها في التحفّز والجاهزية المرعبة، تلك الحالة التي تشبه حالة وخز حادة تجرح الروح، ولا تملك معها سوى الجزع والصمت لفترة، أو كتابة نص موجع.
وربما لا يمكننا حتى أن نكتب! فحين تمضي في الحياة وترى الأوجاع الحقيقية لا تملك سوى أن تصمت، أو تتظاهر به، تضحك أو تدّعي الضحك كحالة رفض أشد من الحزن ومن الكتابة عن الحزن، ووجع أقسى من الألم، ومن تجسيد ذلك الألم بلغة ما، إنها حالة إدراك فقط.
حديث عادي جدا مع صديق، قد يجعلك فجأة يغمرك شعور غامض، شعور بالألفة البسيطة والحقيقية، بالحزن الدافئ، والسلام الجميل، بالحنين لمشاعر عشتها يوما، وأمكنة أحببتها وكائنات قديمة في ذاكرة القلب، لها رائحة شجر الغار، أو رائحة البحر، أو رائحة الزمن الجميل المضرج بالقيم الرفيعة، كالنبل والصدق، شعور يوقد فيك شجن حار قادر أن يجعلك تفرح وتحزن في وقت واحد، يجعلك تتحسس قلبك وتعرف أنه يملك ذاكرة لها لون قرمزي يشبه ألوان قوس قزح، وطعم ورائحة تشبه القهوة الممتزجة بالهيل والقرنفل، وماء الورد والزعفران، فتهز تلك الذاكرة ببطء لتتساقط أقمار العشق، ومطر الحنين ।
تعليقات