التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

النص ليس شاهد عيان على ناصه

فاطمة الشيدي
جريدة الزمن 2006
النص يصلح أن يكون وشاية لذيذه ولكنه لايصلح أن يكون شاهد عيان على صاحبه، يمكن أن يحاسب من خلاله، هكذا على المتلقي للنص أن يفهم، فالنص إفراز لحظوي يستمد طاقاته التعبيرية من مناطق المخيلة والذاكرة، ولكنه ليس سيرة لناصه بالضرورة، وليس شاهدا عليه أيضا، أو حتى دليل حتمي على أفكاره ومشاعره ومعتقداته، لأنه حالة تجلي مؤقتة وموقوتة، تأخذ من الداخل بقدر ما تأخذ من الخارج، بل كثيرا ما تتنكر بعض النصوص لفكر صاحبها ومعتقداته، وكثيرا ما تخرج على محدداته الذهنية والروحية، وكثيرا ما يأتي نص وقح لناص خجل، وكثيرا ما تخون لغة النص ذات صاحبها وتقهره، وتكتب ذاتها بلغة وحال لا يشبهه أبدااا।
وقد يصلح أن يكون النص وشاية لذيذة على ناصه، أو حالة فضح لكائن خاص مرتبك بانفعالاته وحيواته، أو حالة كشف جزئية للكاتب تستدعي الوقوف على تفاصيل محمومة بالهذيان، تعطي صورة عن داخل ممتلئ يفرغ أشياءه على الورق، لأنه بالضرورة حالة استجلاب كتابة من مناطق قصية في الوعي أو اللاوعي.
فلاشك أننا حين نكتب نخلع أرواحنا في مناطق الوعي الحسية، مخلّفين وراءنا دلالات صغيرة على عبورنا، وعلى ما كان يعتمل في داخلنا، فيأتي من يقتفي إثر فجيعة الوجع والقلق تلك. فمن منا لم يجاهر بفخ نصب له في نصه، ومن لم يشهق بلعنة العشق بين سطوره، فنصوصنا تحمل روائحنا الخفية، وملامحنا الحادة أو اللينة، لأنها منا تشبهنا وتدل علينا أحيانا.
ولكنها تبقى مجرد وشاية لذيذة، وشاية ليست حرفية وليست تامة، فهناك أيضا! الكذب اللغوي (ألم تقل العرب أجمل الشعر أكذبه !؟) واحترافات التزيين البلاغية، وعمليات التجميل من شد ونفخ، وهناك حالة الترويض للروح والوجع، وحالات المواربة القصدية، كي لا يأتي هذا النص شاهدا وقحا للحظات النصية المحمومة.
لذا فلا يصلح أي نص أن يكون دليل إدانة أو شاهد عيان على كاتبه، واستخدام النص شاهدا على كاتبه، وإشهار البطاقات الصفراء والحمراء في وجهه، تمثل القراءة المعكوسة للحزم الخشبية أو الإسمنتية المحنطة في الأذهان الملتبسة.

تعليقات