الشعر هو ذلك السائل الذي يتدفق في الدماء كحليب الأمهات، ذلك الكائن الذي يحضر بلا ميعاد، منذورون له، ونحن لا نعنيه كثيرا ذلك المكتبر العنيد، ذلك الشيطان اللذيذ الذي يفرز لعابة اللزج؛ ليلطخ به كل الكائنات الأخرى (كتابية/ عامة)، ليأتي كل شيء يمتزج به لينا طريا، وربما مالحا جدا، ذلك الشيطان الذي صار يتقمّص دور عروة بن الورد، فيدس يده في جيوب المارة بصعلكة بهية؛ ليسرق حكاياهم وذنوبهم وأشياءهم الصغيرة (التفاصيل) ثم يحيكها في لحظته الأولى، ونشتغل معه على ما تبقى من لحظة ميلاد النص، وربما تلك اللحظة لا تحكم الشعر فقط، بل كل الفنون الأخرى كالقصة والرواية والمسرح، والسينما.
النص يولد مرة واحدة في الكتابة الأولى (الدفق الشعوري)، يأتي في نفس واحد، ثم تأتي القراءة الشعرية النقدية الأولى (لنا)، هناك الكثير مما يستحلفك الحذف، وهناك الكثير مما يتقافز أمامك من معانٍ تستحلفك التضمين، وتأتي الحالة الشعورية، لتحتم مقدار الزيادة أو النقص في أي نص، وتتمنى أبدا أن يأتي نصك مختلفا فقط، حتى عنك، جديدا حتى عليك، لذا فحالة التجريب في النص حالة مشروعة، نحن نكتب؛ وندع للآخرين لهفة التنظير حول ما نكتبه، لعلنا بذلك نسبب لهم صداعا خفيفا، يكون إنجازا أجمل لنص جديد.
والنص في حالة حضوره الأولى، قد يأتي مشدود القامة محافظا على رشاقته باستنبات صور ضامرة الخصر خفيفة العجز، أو قد يأتي مكتنزا بالرؤى والعبارات والزوائد الدودية، والشحمية والكلمية، فيأتي ثقيلا أو كيفما اتفق.
وفي الدفقة الأولى قد يأتي النص بسيطا، واضحا ثم قد نستخدم التلغيز، أو التعتيم المرمّز فيما بعد لنضفي على نصوصنا، حالات من البلاغة، التي تحول بين النص وبين أن نجلسه معنا على موائد الكلام، وكثيرا ما يبهرنا ذلك النص ويبهر الآخرين، ولكنا أحيانا أيضا، وكثيرا جدا ما نحتاج كائنا شعريا نجلسه على حجورنا، ويشاهد معنا المسلسل الذي نتابعه كل يوم، نراه وهو بملابس البيت، لذا فالمراهنة في الكتابة ينبغي أن لا تكون سوى على شغب لذيذ، يشي بحالة تجريب مستمرة.
غير أن الدفق الشعري الأول في الكتابة يعتبر مخاضا عسيرا أيضا، لذا فأنا أعتبر تلك اللحظة حالة إدمان أو عادة سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، وعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فعني لا أملك أن أشيح بوجهي خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، حيث أشعر في تلك اللحظة أن ثمة شيئا ما قاسيا يجبرني على تتبع حالة الجزع التي تعتريني غالبا، وتتصاعد في رأسي هذيانا، أشعر أن ثمة ما يستيقظ فيّ، يقتاتني بنهم، أشعر بي ممتلئة بشكل يصعب معه الاستمرار، عادة تكون مشاعري متحفّزة على أكمل حالات التربص والنضج، كثيرا ما أشعر أني حزينة، أو سعيدة، أو متوترة، أو غاضبة بشكل أكثر من المحتمل وأرغب في الراحة .
قبل كتابة أي نص ينتابني شيء يشبه المخاض، لذا فكلي يصبح منتظرا لحالة ولادة جديدة، بكل ألمها ورغبة التخلص والانصياع التام لطقوس الألم، وكلما شعرت بهذه الحالة أفضل الاختباء عن الآخرين، أشعر بي منتفخة بما لا يسمح لي برؤية أحد، لذا أفضل الهروب للداخل قصيا، أمارس العزلة بافتتان مهيب، أحبس أنفاسي توجسا وانتظارا بعيدا عن الجميع. وثمة خوف ما، و توجس بأن لا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
عند الشعور بهذه الحالة التي تتصاعد في احتدامها المؤذي، أهرب للداخل تماما، لأقصى بقعة في العالم الحقيقي والنفسي، ألج أضيق مكان ممكن مني، لا بأس بالسكون طويلا تحت الغطاء، أو تحت طاولة الكتابة، أشعر بالرغبة في البكاء؛ لكن هذا لا يحدث عادة، لأن النص هو البديل، ولو حدث ذات مرة وبكيت، فلا نص يولد حيث تتحول الكلمات، ماء طاهرا يغسلني برفق أكثر من ولادة القصيدة الجارحة .
من أظرف ما قد يحدث لحظة الكتابة كطقس (غير سوي) الميل للفوضى في كل شيء، في الهيئة التي غالبا ما تكون أشبه بشكل جنية (هبت لتسرق الحلكة من جنبات الطرق، ولتبعث شيئا من رائحة الجزع في أرواح منبسطة)، المكان أيضا لابد أن يكون فوضويا بشكل محرّض على الكتابة، ولا بأس بالكثير من البعثرة والأوراق والروائح ربما، أليس الشعر مادة تهرب لنا من وادي عبقر، بواسطة الجن الذي لا أظنهم يحبون الجمال والطيب .
كتابة النص ليست قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا، لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك، مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزينه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي، بين يدي القارئ أو المتلقي।
النص يولد مرة واحدة في الكتابة الأولى (الدفق الشعوري)، يأتي في نفس واحد، ثم تأتي القراءة الشعرية النقدية الأولى (لنا)، هناك الكثير مما يستحلفك الحذف، وهناك الكثير مما يتقافز أمامك من معانٍ تستحلفك التضمين، وتأتي الحالة الشعورية، لتحتم مقدار الزيادة أو النقص في أي نص، وتتمنى أبدا أن يأتي نصك مختلفا فقط، حتى عنك، جديدا حتى عليك، لذا فحالة التجريب في النص حالة مشروعة، نحن نكتب؛ وندع للآخرين لهفة التنظير حول ما نكتبه، لعلنا بذلك نسبب لهم صداعا خفيفا، يكون إنجازا أجمل لنص جديد.
والنص في حالة حضوره الأولى، قد يأتي مشدود القامة محافظا على رشاقته باستنبات صور ضامرة الخصر خفيفة العجز، أو قد يأتي مكتنزا بالرؤى والعبارات والزوائد الدودية، والشحمية والكلمية، فيأتي ثقيلا أو كيفما اتفق.
وفي الدفقة الأولى قد يأتي النص بسيطا، واضحا ثم قد نستخدم التلغيز، أو التعتيم المرمّز فيما بعد لنضفي على نصوصنا، حالات من البلاغة، التي تحول بين النص وبين أن نجلسه معنا على موائد الكلام، وكثيرا ما يبهرنا ذلك النص ويبهر الآخرين، ولكنا أحيانا أيضا، وكثيرا جدا ما نحتاج كائنا شعريا نجلسه على حجورنا، ويشاهد معنا المسلسل الذي نتابعه كل يوم، نراه وهو بملابس البيت، لذا فالمراهنة في الكتابة ينبغي أن لا تكون سوى على شغب لذيذ، يشي بحالة تجريب مستمرة.
غير أن الدفق الشعري الأول في الكتابة يعتبر مخاضا عسيرا أيضا، لذا فأنا أعتبر تلك اللحظة حالة إدمان أو عادة سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، وعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فعني لا أملك أن أشيح بوجهي خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، حيث أشعر في تلك اللحظة أن ثمة شيئا ما قاسيا يجبرني على تتبع حالة الجزع التي تعتريني غالبا، وتتصاعد في رأسي هذيانا، أشعر أن ثمة ما يستيقظ فيّ، يقتاتني بنهم، أشعر بي ممتلئة بشكل يصعب معه الاستمرار، عادة تكون مشاعري متحفّزة على أكمل حالات التربص والنضج، كثيرا ما أشعر أني حزينة، أو سعيدة، أو متوترة، أو غاضبة بشكل أكثر من المحتمل وأرغب في الراحة .
قبل كتابة أي نص ينتابني شيء يشبه المخاض، لذا فكلي يصبح منتظرا لحالة ولادة جديدة، بكل ألمها ورغبة التخلص والانصياع التام لطقوس الألم، وكلما شعرت بهذه الحالة أفضل الاختباء عن الآخرين، أشعر بي منتفخة بما لا يسمح لي برؤية أحد، لذا أفضل الهروب للداخل قصيا، أمارس العزلة بافتتان مهيب، أحبس أنفاسي توجسا وانتظارا بعيدا عن الجميع. وثمة خوف ما، و توجس بأن لا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
عند الشعور بهذه الحالة التي تتصاعد في احتدامها المؤذي، أهرب للداخل تماما، لأقصى بقعة في العالم الحقيقي والنفسي، ألج أضيق مكان ممكن مني، لا بأس بالسكون طويلا تحت الغطاء، أو تحت طاولة الكتابة، أشعر بالرغبة في البكاء؛ لكن هذا لا يحدث عادة، لأن النص هو البديل، ولو حدث ذات مرة وبكيت، فلا نص يولد حيث تتحول الكلمات، ماء طاهرا يغسلني برفق أكثر من ولادة القصيدة الجارحة .
من أظرف ما قد يحدث لحظة الكتابة كطقس (غير سوي) الميل للفوضى في كل شيء، في الهيئة التي غالبا ما تكون أشبه بشكل جنية (هبت لتسرق الحلكة من جنبات الطرق، ولتبعث شيئا من رائحة الجزع في أرواح منبسطة)، المكان أيضا لابد أن يكون فوضويا بشكل محرّض على الكتابة، ولا بأس بالكثير من البعثرة والأوراق والروائح ربما، أليس الشعر مادة تهرب لنا من وادي عبقر، بواسطة الجن الذي لا أظنهم يحبون الجمال والطيب .
كتابة النص ليست قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا، لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك، مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزينه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي، بين يدي القارئ أو المتلقي।
من تحقيق لكتاب حول لحظة كتابة النص أعده الشاعر محمد حلمي الريشة والشاعرة آمال رضوان
تعليقات