التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
كثيرا ما يبادرك أحدهم بالسؤال لماذا تكتب؟ وكثيرا ما نتردد في الإجابة! في الغالب نحن نكتب لأننا نريد أن نكتب، وبهذا فالكتابة هي خيار الكائن الهش الإرادي، ونحن نكتب (ربما) لأن الكتابة هي الأكثر خفة وإرادة، ولأن الأشياء الأخرى أكثر قدرية مما نحتمل، وأكثر رعونة مما نطيق.
ولكن الكتابة ليست خيارا سهلا أيضا، وليست ممكنة كلما رغبنا بها، فقد تأتي بسرعة، وقد تتمنع عمرا كاملا كما يحلو لها. وقد تمنحك كل العشق والفرح والحلم، كأن تهبك أصابعها الطويلة لتعبر النهر بمحاذاة حلم جميل، أو تحك مساحاتك الهشة بأظافرها الناعمة، وتلاطف قلبك المبلل بالوجع بدلال اللغة ومطر الكلمات، فتترك فيه آثار حضورها العذب المستحيل على الغياب. ولكنها أيضا! كثيرا ما تأتي وجعا فتقبض أصابعها على روحك الغارقة في الوجع فتشهق بها حتى الرعاف أو الموت، أو تغرس أظافرها الحادة في جرحك فتوسعه خدشا، وتأكل من خبزك القليل المعّد للفرح والنشوة، وتطالبك بطقوس الدمع ما حلا لحزنها البهيج. وقد تقرضك طبولها وصلواتها ما شاء لها الغنج؛ حتى إذا اشتهيت التوغل في مجاهلها القصية، أفلتت قبضتها العصية وحزمت صرتها نحو ضفة أخرى وعوالم لا قبل لضعفك بالسير نحوها.
فتأتي مراوغة في تشكّلها بين غجرية تغرقك في محيط ذؤابات شعرها الكستنائي، وطفلة تقضم أصابعك بعد كل قطعة حلوى، وعجوز تشفّعك في بكاء موتاها ونبش قبورها التي لا تعد، ومفجوعة بحبيب في صباها العذب، وأي قلب يحتمل كل هذا التناقض والوجع!
الكتابة ليست الأشهى والأجمل، فأن تعيش الحياة والحب والحلم، وربما حتى الحزن والفقد، والوجد والحنين أجمل وأشهى وأسهل من أن تحوّل كل هذا إلى حالة من الشعور المتصاعد، والمخطط له سلفا ليصبح مادة كتابية، وتحوّل مشاعرك إلى رموز وحروف مكتوبة.
الكتابة هي المستحيل المتحقق في صورة جسد، الجسد الحي واللامرئي معا، والكلمة هي الشيء الأكثر تجريدا، والشعر هو أكثر اللغة ذهنية ولا محسوسية.
فلماذا نكتب إذن؟! يعيد السؤال ذاته!
ربما! نكتب لنوازن الخطوات التي على وشك الانزلاق، والمتهادية بحذر على الأسطح المائلة، و(كل الأسطح مائلة).
لنرتقى بالحياة من الهش للصعب، ومن الممكن للمستحيل، ومن المحسوس للمجرد، ومن الواضح للغامض، ومن الفرح للحزن، ومن الحضور للفقد، ومن الحقيقي للذهني.
نكتب لننظر للأشياء من الأعلى للأسفل، ولنتعاطى معها من الأعقد للأبسط، ومن الأشمل للجزئي، إنها القراءة المقلوبة للأشياء، والحالة المغايرة للواقع. فأن تكتب يعني أنك تدّخر كائنا في الثقب الأوسع من القلب، كي يسقط فيما بعد في خانات الكلام، ليتحول من كائن إلى رمز، ومن جسد إلى قول في قصيدة، يتغير مجراه من خرائط الدم، إلى خرائط الحرف، وفي ذلك ارتقاء به نحو الأعلى، وإن لم يدرك هو ذلك، وإن لم يدرك الآخرون، حيث يستصعب على الكائنات (الطبيعية) أن تستشرف روعة التجريد، وتسامق الأعلى على الحسي، ربما لأن الحسي أشهى، وله وزن، وأكثر كثافة، والتجريد أشد عناء، إنه معنى اللامعنى، ولهذا فكثيرا ماتخوننا مفرداتنا ولغاتنا، وتضعف مستويات الكتابة، فتصبح الكتابة نمطيّة، أو تصبح تجسيدا للواقع، وبذلك تكون متشابهة معه واصفة لحاله، تنقله كما هو، ولا تضيف عليه، فلا ترقى به، ولا يفترض بها ذلك!
نكتب لنستحضر ملامح الحيوات الداخلية الرهينة في مدارات الذهن، كالأحلام والأفكار والأمنيات للتخلص من سطوتها على القلب والعقل، فما أصعب الأحاديث التي تدور في الرأس، وما أبشع الحياة مع الكائنات والأمكنة الذهنية التي تستوطن المخلية، وتمتص حميميتنا مع البشر والأمكنة والطبيعة الطبيعية، لتأخذنا نحوها ونحو الوحدة، نحو العزلة، لنذبل في نهاية الفراغ، كزهور الربيع في صيفنا الحميم.
نكتب لنعري أصابعنا من لهاث قديم، ربما هي الفوضى وربما هي الصدفة، أو بلاغة الدهشة الكبرى التي حين نكتب ندع أيدينا لها بانقياد تام لتأخذنا إلى حيث تريد بلا كثير عناء، لنكتب ما يمليه علينا الحزن، فحين نكتب تختارنا القوالب لصلواتها الخرافية..
نكتب لنعرف! وما أصعب تفنيد الأشياء الموزعة بين فوضى العدم واللاشيء، ووجوه الحقيقة المتعددة والقاسية والغائبة، ما أصعب البحث عن حقيقة الحقيقة، وخلاصة الخلاص، والفكرة الناصعة للهرب بها من واقع مريض وحالات ميتة؛ كي لا تبيعنا الصروف في مزاداتها الرخيصة، وتهدهدنا المراجيح في تأرجحها الصامت والميت، حين ترتفع درجات الحرارة في ذاكرة الجمال فنمرض بالقبح، وتعترينا دهشة البدايات، ويرتفع عواء الأسئلة، وتنخفض ساعات الجزع حتى الموت بلا دهشة تليق به، وبعبورنا المضمّخ بالحيرة المهلكة.
نكتب لنحتمي بدهشة الكتابة، تلك الطاقة الحرارية التي تحرر الحقيقي منا من هيمنة اللزوجة التي تسربل الكائنات الجامدة، وتمد عفونتها عميقا نحو بؤرة اللب، فيغدو كل شيء متصلبا، أو بسيطا وذو وجهة واحدة غير صالحة للقراءات الأكثر تأويلا من قراءة مباشرة.
نكتب لندرب أرواحنا على الحلم، كي لا يضمر داخلنا كأي حاسة إضافية، أو غير مستخدمة، لنمارس حالة التمرد الصامتة واللذيذة على السائد والثابت، لينبت فينا ما يشبه أقداما إضافية، تتناسل في الوعي لتهب المبدع قدرة على المشي الأسرع في الفراغات التي لا تنتظر من يملؤها إلا بوردة أو برقصة شغف، المشي المؤسس لبراءة اختراع في عالم يشرع غرابيله بسطوع فج، وضمور وقح لتأسيس معاييره العامة وأحكامه الكليّة، فتكون الكتابة هي الأجنحة التي تمنحنا الثبات في مايشبه الهزة الكونية والصدمة العدمية التي أصابت كل شيء بالصدع.
تحقيق أجراه الشاعر سعدي الياسري

تعليقات