التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

"تسونامي" : إذ الموت الجمعي لا يصلح للبكاء

فاطمة الشيدي
القدس العربي 2005
"تسونامي" : إذ الموت الجمعي لا يصلح للبكاء
(الأسيويون) هؤلاء البسطاء الطيبون، الذين نتعثر بهم في كل مكان من بلداننا التي قامت بأياديهم الخضراء، كثيرون هم؛ ولكن ربما ليسوا بالأناقة الكافية لإغواء المتحذلقين من باعة الكلام والأوهام -أمثالي-هؤلاء البسطاء الذين نذروا أنفسهم، أو نذرتهم السماء طوعا أو كراهية لصناعة الجمال، هؤلاء الذين يصدّرون لنا خبز الدهشة من صمتهم أمام جعجعة الكون الطاغية حروبا وضجيجا، ومن قوتهم أما الهشاشة المنتشرة حذلقة وأوهاما، هؤلاء الذين تتقاطر من نفوسهم الطرية البيضاء روائح العرق والفرح بعد كل إنجاز ناضج.
هؤلاء الذين كلما لمحتهم أحاول التلصص على أحلامهم، أحاول أن أقرأ أرواحهم المحفوفة بالصدق والثبات، هؤلاء الذين يرسمون الحياة بجميع الألوان، الذين يتسربون كالضوء إلى رئتي؛ ليغسلون عنها دخان الكثير من الكائنات اللزجة؛ التي أسد أنفي عنها، فتدخل من المسام؛ ليصل خبثها إلى الروح الجاهزة للانفجار، وكثيرا ما أن أمسك على نظرة أحدهم ممتلئة حزنا ووحشة، فتستفز تلك النظرة كل كائناتي الطيبة لتشرع في بكاء جماعي.
كل شيء يحفّزني حين أقرأ صمتهم وحزنهم، هؤلاء القانعون من الحياة برغيف فرح، وعيش قليل، وحب وإيمان كثير، وحين أقبض على أحدهم يسافر في البعيد معاتبا الله والقدر أرتل معه ذات الصلاة وذات العتاب .
هؤلاء البسطاء- ككل البسطاء على هذه الكرة - لا حيلة لهم للقفز خارج الإطار، ولا قدرة لهم حتى على اختيار الموت الإرادي كحل سريع لمعاناة ممتدة، فذلك الإيمان الساكن في قلوبهم بروعة القادم؛ يشكل سياجا حصينا من الأمل، ضد فكرة الموت الاختياري، وضد عدوى الرفض والتمرد التي لم يجبلوا عليها.
فلماذا بعد كل هذا الصبر والصمت والحزن؟ لماذا بعد كل هذا الثبات والإيمان والجمال؟
لماذا كفرت السماء بدعائهم؟ وكيف نفضت يدها من تضرعهم؟ وكيف تآمرت مع مفردات الطبيعة على هذا الموت الجماعي المريع؟ وهم الذين يدسون في كل قطعة خبز دعاء، وفي كل تنهيدة أمنية! ويحفرون بأظافرهم المتشققة وأصابعهم الجافة الماء والحجر ليحصلوا على أدنى ما تهبه لهم الحياة!
لماذا ياتسونامي؟؟
لماذا أيتها الزلازل والفيضانات؟
لماذا كل هذا الغضب أيتها الطبيعة الخرساء؟
لماذا كل هذه الهذيانات والثرثرة على أجساد أبنائك البسطاء الطيبين؟
لماذا أيتها السماء/ أيتها الأرض/ أيها البحر؟
لماذا يا ربي وربهم ورب الفقراء والبسطاء والطيبين ؟
يا زادهم وخبزهم:
أنا لا أصدق ادعاءات العقاب والعقوبة، لا أصدق ما يروون عن عصاك الغليظة ويدك البطش، أنا اعرف قلبك، أعرفه جيدا، وأعرف رحمتك لمستها بيدي!
فكيف تركت للموت فرصته لينقض عليهم؟ وهل غافلك ليحصد كل هذه الأرواح الهشة والطرية دفعة واحدة؟
كم واحد منهم لم يكمل لقمته؟ وكم واحد منهم لم يشفى من قبلة؟ وكم واحد منهم لم ينتهي من ترتيب خططه القريبة؟ وكم واحد منهم ذهب وهو غارق تماما في حلم صغير،كالزواج أو شراء بيت لأطفاله الصغار الذين رافقوه في رحلة الموت الجماعي؟
ماذا يمكن الآن لهذا الموت المباغت، الذي استيقظ من نومه على عجل، ولم يصلح هيئته تماما-ليكون بجمال انتظار الكائنات القلق له- أن ينتظر منا نحن الكائنات الضعيفة سوى الضغينة والحقد؟
هذا الموت الذي قرر في لحظة أن يحصد الكثير من الأرواح دفعة واحدة، ربما ليستريح قليلا فيما بعد، أو لعله كان جائعا بما يكفي ليلتهم كل هذه الأرواح البسيطة والطيبة.
كيف تسنى له أن يستل كل هذه الرواح معا؟
وكيف دوّن أسمائهم جميعا في صحائفه مرة واحدة؟ وكيف ستستطيع الأرض الخؤون الذي شاركته الجريمة بكائهم دفعة واحدة؟ أو ليسوا أبنائها الطيبين؟ وكيف ستتحمل عفونة أجسادهم دفعة واحدة وهي الطاهرة الجميلة؟
والأهم بالنسبة لنا ككائنات تنتظر لا محالة نفس المصير، بشكل فردي أو جمعي، كيف لنا أن نبكيهم جميعا دفعة واحدة، وهذا لا يليق بآدميتهم ولا بآدميتنا، فنحن نحتاج زمنا طويلا للبكاء على كل واحد منهم فردا فردا، لنتأكد أن ثمة من سيبكينا يوما ما بشكل فردي وخاص جدا.
لن نستطيع فالدموع التي لا نملكها لا تهبنا حتى شرف المحاولة!!
فإذن أيتها السماء: قليلا من المدد فوحدك تستطيعين شيئا بحجم هذا الحزن..

تعليقات