فاطمة الشيدي
نشرت في مجلة نزوى 2002
في زمن تتصارع فيه التيارات االفكرية، والمذاهب الأدبية المتباينة لتحديد سبق ثقافي في مسارات الوجود الفكري المتنوع، و في عصر العولمة والثورة المعلوماتية؛ أجدني مضطرة للعودة عدة خطوات للوراء على خارطة هذا الجسد الزمني المتنافر حتى مع آنيته؛ لأتحدث عن نقطة تجاوزتها الأقلام منذ زمن بعيد ألا وهي "أدب المرأة" .
إن الأدب العماني -وللأسف- كان وما يزال أدبا ذكوريا تحركه (الشنبات) وتجره (العصي) إلى ساحات الثقافة، وإذا كان هذا الأمر قد بدا مقبولا فيما مضى؛ لأن الأدب النسوي أو الأنثوي، كان مختبئا تحت الحجاب وفي البيوتات لأسباب الأزمنة الماضية، التي لا تتطلب الكثير من البحث لأنها معروفة على الجانبين الذكوري والأنثوي- مع أن الباحث المتقصي وراء هذه الظاهرة الأدبية لا شك أنه سيظفر ولو بعيد عناء شديد، ببعض الدلالات والعلامات المؤدية إلى تلك القافلة الأدبية الأنثوية التي سلكت طريقا مغايرا لطريق القوافل المعتاد، واتخذت الزقاق وبين البيوتات دربا مستورا لها- ولكن اليوم وقد تحرك الركب سريعا وسارت القافلة بشقيها القوي والضعيف، بل حتى دلالات القوة قد تغيرت وبالتالي كان لزاما تغير دلالات الضعف.
هذا العصر الذي احتل فيه التواجد والحضور المعرفي والثقافي دور السطوة والقوة، واتخذت أشكاله العلمية والمعرفية والثقافية هوية الريادة بعيدا عن (العضلات واللحى) الذي تفاخر بها الجنس الخشن ردحا من الزمن، وبرزت المرأة كند لا يستهان به في كل المجالات المعرفية لتحديد مكانتها وهويتها الإنسانية بعيدا عن التقسيم الجنسي، وكانت الهوية الأدبية للمرأة شكلا من أشكال الحضور والتواجد الإنساني الحقيقي الذي يعزز كينونة المرأة، ويغرس أظافره في لحمة هذا الوجود لتحقيق الحضور، والتعريف بهذا الإنسان المتجاهل (بفتح الهاء)، حتى بأكثر ما عرف به وهو العاطفة والإحساس.
لقد بدأت المرأة في العالم العربي (المتخلف أو النامي) الولوج إلى بوتقة الأدب بلهفة الفراش الراغب في لذة الاحتراق، وبدأت ترسم أبعاد وجودها الثقافي والحضاري في مختلف الميادين؛ لتشكل منجزا حضاريا ومشهدا ثقافيا يسير موازيا -إلى حد ما- مع الأدب الذكوري.
لقد كانت للثقافة -والأدب كأبر أبنائها- القدرة على إغراء وجذب العديد من الضفائر إلى هذا النهر الصافي للاقتراب منه، وأصبحت ثقافة المرأة دلالة حية وحقيقية على ثقافة المجتمع، وتجاوزت المرأة مرحلة التثاقف، ولمعت الكثير من الأسماء، بل حتى علت الكثيرات على الرجال سواء كان في مجال الأدب أو سائر فنون الثقافة والمعرفة، وسرقت البعض منهن الأضواء عن الرجال وسابقته في ريادة السبق أو الحضور المتمكن، وما ينطبق على المجتمع في الوطن العربي الكبير يمكن أن نلمحه في مجتمعنا الخليجي الأقرب حيث نجد الكثير من الأسماء في قمة الجبل.
أما الأدب الأنثوي في عمان فقد ظل وبعيدا جدا عن الولوج في هذا المضمار؛ مما يضع علامتي تعجب واستفهام كبيرتين أمام هذه الظاهرة، ورغم كل التبريرات التي قد نوجدها؛ كالأخذ بالاعتبار بعثنا القريب الذي يشكل خصوصية للثقافة العمانية، ودور المرأة الأدبي المردوم سابقا وانطلاقها في مرحلتها الجديدة من موقع خال من الأرث الثقافي والأدبي إلا الذكوري منه، والذي يشكل خصوصية ثقافية أخرى للذات الثقافية الأنثوية العمانية. إلا أن الكيان الأنثوي الثقافي لم تظهر له فيما بعد أية ملامح أو دلالات حقيقية على قرب حدوث حمل إبداعي ثقافي قريب، بل كان ولا يزال بعيدا عن الثقافة الحقيقية، وهموم الإبداع الجارح، رغم ظهور بعض الأسماء على استحياء أو مضض، أو زج بعضها الآخر زجا مغرضا في معرض الحياة الثقافية، إلا أنه ظل بين الذات الأنثوية المبدعة والإبداع بون شاسع، وظل الإبداع الأنثوي مجرد محاولات محكومة بالبراني من الظواهر الفنية والقضايا الأدبية، وظلت الذات الأنثوية المبدعة تحارب الطواحين.
فبعد ثلاثة عقود زمنية على خروج الذات الأنثوية العمانية لترسم مفرداتها الخاصة على خريطة الوطن، في كل مكان، وبكل خصوصية واندماجها بمدخلات الحضارة الإنسانية ومعطياتها، وهي تسير في خطاها العلمية والمعرفية بشكل يبشر بالخير.
وإذا كان العلم هو المعيار الأوضح للثقافة؛ فان المدارس والمعاهد والجامعة والكليات تخرج ما يكفي لنعتهم بالمثقفين، ولكن الأمر ليس كذلك بالطبع، بل إن ثمة هوة كمينية واضحة المعالم في المسافة الفاصلة بين التحصيل الدراسي المتقن المفروض وغير المقصود لذاته، وبين الثقافة الحقيقية، فليس من الجائز في مثل مجتمعاتنا الحلم بأن كل من يحمل شهادة يعد مثقفا، ولكن لعلنا نغمض أعيننا لنحلم قليلا، بأن يولد ذلك العلم حساسية ما؛ تدفع البعض إلى نوع من الاحتفاء بالعقل وسبر الوجود، فلعل ذلك سيشكل بداية تدفع إلى مخاضات أكثر تعقيدا وولادات ثقافية أكثر عسرة ونضجا.
ولكن! إذا كان ذلك قد يشكل أملا بعيدا في ظهور مثقف أو مبدع واحد من الذكور؛ فان آخر ما يبعث على البشرى الأمل بظهور مثقفة أو مبدعة حقيقية، وإن ظهرت كانت كظهور نجمة ما تلبث أن تحترق في ذاتها، أو تختفي مخلفة وراءها استنكارا ثم تساؤلا ثم تجاهلا.
لقد أصبح الأمر يشكل ظاهرة مربكة تحتاج حلولا جذرية، فالجرح الثقافي لم يزل غضا سطحيا في ذهن المثقفة العمانية، بل أن صورتها الإبداعية في مخيلتها وفي مخيلة الرجل لم تزل محكومة بذات الهامش الضيق الذي حدد لها سلفا، والتي استجمعت قواها لتخرج منه فخرجت بجسدها - إن فعلت - وبقى الجانب الروحي والفكري والأكثر إلحاحا في الحضور الثقافي وأكثر فاعلية في الوجود المعرفي، رهين السياقات والأطر والهوامش القديمة، وسيادة الرجل الشرقي الذي يشكل هامشا أكثر ضيقا، وإطارا أكثر تجريحا.
إن عدم وقوف المبدعة العمانية أمام هذه الإشكالية بشكل صريح وعار تماما من أي رتوش أو تبريرات تفرزها مخيلتها الرافضة للتسليم بصحة هذا الطرح، ومحاولة برهنة عكس ذلك؛ هي نقطة العلة الأولى لتفشي هذا المرض في الكيان الثقافي الأنثوي في عمان. فهي راضية بما هي فيه، وما حققته من إنجازات وهمية، وتصم أذنيها عن النقد السليم، ولاشك أن معرفة الداء والتسليم بوجوده، نقطة البداية لعلاجه (ويا حبذا ثقة صادقة لمبدعة مثقفة واعية تتذوق كل يوم عصارة الإبداع، وتنصهر في بوتقاته ثم تتشكل كيانا خاصا وطريقا متميزا بعيدا عن التكرار والتقليد والتشابه والمماثلة، ولكن بعيد كثير من الصدق مع الذات ومع الحرف واحتراقاته).
أن المثقفة العمانية تحتاج أن تجتهد وتتعب على فكرها وثقافتها ووعيها بشكل حقيقي وجاد، ثم تصهر كل ذلك في وعيها، وتتشكل من خلاله كيانا أدبيا جديدا متميزا وصريحا في طرح ذاته وإشكالياته الخاصة بشكل أكثر حميمية وقربا مع الذات، وأكثر تعددية واختلافا مع الآخر، وبدون تلك المرحلة من الاعتراف والكشف، ثم الجهد لن نفارق هذه المرحلة المركبة ولن تتغلب على هذه الحالة غير السوية.
وان كانت العلة الحقيقية تنبع أولا من الذات، فان تلك الذات الضعيفة (في رأي مجتمعنا الشرقي) تحكمها ذات أكثر قوة وفهما ووعيا للحياة ومعرفة بالآخر والمجتمع، ذات تشكل في أقل صورة لها حارسا للشرف والفضيلة، التي قد تنتقص منها ومن كرامتها الذكورية ثقافة الأنثى وإبداعاتها لأن الكتابة فعل سافر مفضوح، وكشف وتعرية للداخل، وهذا قد يثير ضجة حول تلك الذات الدانتيلية التي لا تصلح لخوض غمار الحياة، ولا تفهم سوى السطحي الهامشي من الأمور، ويجب أن تبقى هكذا لتسهل السيطرة عليها من قبل الرقيب الذكر؛ حتى ولو كان الأخير مغموسا في ذات الفعل الإبداعي الثقافي حتى أذنيه.
إن تجاوز صخرة الحارس - إذا جاز لنا التعبير- أمر أكثر أهمية وإلحاحا لأن الكثير من الإبداعات الأنثوية الحقيقية، لا تزال في عصر العولمة والانترنت تحت الوسائد؛ خوفا من مسرور بحمقه وغبائه وسيفه المسلط، والمجتمع بكل مؤسساته الرسمية والمدنية مسئول عن مد يده لشهرزاد ليساعدها على تخطي قيود الحكاية، في محاولة غسل عقول مثقفينا على الأقل من طحالب عار الأنثى وهيمنة الذات الذكورية.
ثم إن ضروب الاحتفاء غير المقننة، وغير الحقيقة بالأقلام الأنثوية المقدمة للإبحار في يم الأدب، أو الواقفة على ضفافه استعدادا للرحلة القادمة؛ سواء كانت تلك الأقلام تمتلك مجاديف قادرة علو مجابهة التيار والعاصفة، أم تخطط للتجديف بابتسامة ملونة بأحمر الشفاه وكف ملطخة بالحناء، هي أحد مسببات العلة، ودافع من دوافع تقاعس الطرف الأحور عن القراءة والتثقيف وتأكيد كينونته الثقافية الطامح اليها.
إن الأدب النسائي الموجود على الساحة الثقافية العمانية الآن أدب غير مختمر الوجود، وغير مكتمل الملامح، وغير متبلور الهوية، بل لعله لا يعدو أن يكون (سحابة صيف سوف تنقشع) وبعيدا عن إشكاليات المضمون ودواعي العمق، أو السطحية، فأين الأسماء، وكم عددها؟؟
إن أجواء الاحتفاء والربت على الأكتاف لابد أن تستبدل بأجواء من الاستنفار والفزعة، إننا بحاجة إلى بناء صرح أدبي بقدمين سليمتين بعيدا عن أغلال الابتسامة الراضية عن حضور العباءة غير الحاضر في أغلب الأحيان، وثقافة محضة خالية من الشوائب والمجاملات.
إن الأقلام النقدية سواء كانت ذكورية أم أنثوية مسئولة مسؤولية حقيقية عن بعث ثقافي أدبي منتظر، مع الإيمان بأنه ليس هناك فكر ملتحٍ وآخر يلبس عباءة، وليس للخصوصية الجنسية الخلقية (بفتح الخاء) أي أثر على إنتاج الثقافة، فالتشكيل الفكري يتأثر أولا وأخيرا بالأسس الحضارية ومدى الالتحام بآليات الثقافة وأبعادها ووسائطها والتفاعل مع أشكالها الخارجية والداخلية، وقد نجد في بلد عدد المثقفات يفوق عدد المثقفين في بلد آخر، وفق الانفتاح على الحياة الثقافية.
كما أن دور المؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية لبناء أطر ثقافية واضحة النية لعدم المكوث بثقافة المرأة عند سلم الكتاب المدرسي، أو المجلات النسائية الهادفة إلى تعتيم الصورة الراقية للمرأة وبناء جدر بينها وبين تكوين ثقافي حقيقي.
إن الدور الذي يجب أن تضطلع به هذه المؤسسات ينبغي أن يكون أكثر وعيا وإسهاما في وضع لبنات جادة لكيان ثقافي أنثوي، وتأكيد ملامحه المشرقة، وتزويد الخطوات الواعدة بحثيث السير بما يساعدها على استكمال المسيرة نحو أفق أكثر رحابة وفكر أكثر عمقا، وثقافة أكثر وعيا بعيدا عن الهامشية والتخبط العشوائي اللذين يؤديان بالضرورة إلى السطحية والهشاشة، وتوضيح دور الأنثى في الثقافة والإبداع ليؤمن الجميع ذكورا وإناثا بان الثقافة والإبداع حق مفروض وفعل مشرّف.
ان بناء فكر منتج ليس خاضعا لاستراتيجية ما، ولكن ذلك ليس مدعاة لتعاطي الثقافة الاستهلاكية والأفكار المجانية كنوع من التساهل الفكري المرفوض، والتصفيق غير الواعي لكل قلم ولكل صوت ناعم لأن وجود قلم حي وحقيقي النزف أجدى من وجود ألف قلم لا يمتلك ذائقة أدبية أو حاسة ثقافية، وهذا ينطبق على شقي الثقافة وجميع من يتعاطى الإبداع ذكرا كان أو أنثى‘ فالاحتفاء أو النقد ينبغي أن يكون أكثر موضوعية وتجريدا ونزاهة.
وإذا كانت المرأة العمانية تحتاج بصفة عامة إلى تثقيف حقيقي في كافة الميادين الدينية والثقافية والتربوية والإنسانية، فالمرأة المبدعة بحاجة أكبر إلى تثقيف أكثر عمقا، والأخذ بيديها بكثير من الحزم والجدية وتلمس الوجع وهو قلة الإطلاع.
إن المبدعة التي تتوسل الجدية والمصداقية وتعرف طعم الاحتراق الذي يعنيه الإبداع وترغب مواصلة الطريق، وتنذر روحها لاحتراق أبدي ليس نيته الأضواء؛ بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى من يضيء لها الطريق سواء كان ذلك دور الأقلام الجادة، أو مؤسسات تستوعبها وتقيمها بعين الموضوعية، وتشجع إبداعها الجيد، وتغربل إنتاجها الرديء، فذلك وحده هو الحل الأمثل لحالة الهشاشة التي تسيطر على أدب المرأة في عمان، وذلك هو الطريق الذي سيمهد لإنتاج جيل من المبدعات العمانيات اللواتي يتخذن الإبداع هما، ووجعا يسعيْن من خلاله للكتابة بحبر الدم ووعي العقل.
نشرت في مجلة نزوى 2002
في زمن تتصارع فيه التيارات االفكرية، والمذاهب الأدبية المتباينة لتحديد سبق ثقافي في مسارات الوجود الفكري المتنوع، و في عصر العولمة والثورة المعلوماتية؛ أجدني مضطرة للعودة عدة خطوات للوراء على خارطة هذا الجسد الزمني المتنافر حتى مع آنيته؛ لأتحدث عن نقطة تجاوزتها الأقلام منذ زمن بعيد ألا وهي "أدب المرأة" .
إن الأدب العماني -وللأسف- كان وما يزال أدبا ذكوريا تحركه (الشنبات) وتجره (العصي) إلى ساحات الثقافة، وإذا كان هذا الأمر قد بدا مقبولا فيما مضى؛ لأن الأدب النسوي أو الأنثوي، كان مختبئا تحت الحجاب وفي البيوتات لأسباب الأزمنة الماضية، التي لا تتطلب الكثير من البحث لأنها معروفة على الجانبين الذكوري والأنثوي- مع أن الباحث المتقصي وراء هذه الظاهرة الأدبية لا شك أنه سيظفر ولو بعيد عناء شديد، ببعض الدلالات والعلامات المؤدية إلى تلك القافلة الأدبية الأنثوية التي سلكت طريقا مغايرا لطريق القوافل المعتاد، واتخذت الزقاق وبين البيوتات دربا مستورا لها- ولكن اليوم وقد تحرك الركب سريعا وسارت القافلة بشقيها القوي والضعيف، بل حتى دلالات القوة قد تغيرت وبالتالي كان لزاما تغير دلالات الضعف.
هذا العصر الذي احتل فيه التواجد والحضور المعرفي والثقافي دور السطوة والقوة، واتخذت أشكاله العلمية والمعرفية والثقافية هوية الريادة بعيدا عن (العضلات واللحى) الذي تفاخر بها الجنس الخشن ردحا من الزمن، وبرزت المرأة كند لا يستهان به في كل المجالات المعرفية لتحديد مكانتها وهويتها الإنسانية بعيدا عن التقسيم الجنسي، وكانت الهوية الأدبية للمرأة شكلا من أشكال الحضور والتواجد الإنساني الحقيقي الذي يعزز كينونة المرأة، ويغرس أظافره في لحمة هذا الوجود لتحقيق الحضور، والتعريف بهذا الإنسان المتجاهل (بفتح الهاء)، حتى بأكثر ما عرف به وهو العاطفة والإحساس.
لقد بدأت المرأة في العالم العربي (المتخلف أو النامي) الولوج إلى بوتقة الأدب بلهفة الفراش الراغب في لذة الاحتراق، وبدأت ترسم أبعاد وجودها الثقافي والحضاري في مختلف الميادين؛ لتشكل منجزا حضاريا ومشهدا ثقافيا يسير موازيا -إلى حد ما- مع الأدب الذكوري.
لقد كانت للثقافة -والأدب كأبر أبنائها- القدرة على إغراء وجذب العديد من الضفائر إلى هذا النهر الصافي للاقتراب منه، وأصبحت ثقافة المرأة دلالة حية وحقيقية على ثقافة المجتمع، وتجاوزت المرأة مرحلة التثاقف، ولمعت الكثير من الأسماء، بل حتى علت الكثيرات على الرجال سواء كان في مجال الأدب أو سائر فنون الثقافة والمعرفة، وسرقت البعض منهن الأضواء عن الرجال وسابقته في ريادة السبق أو الحضور المتمكن، وما ينطبق على المجتمع في الوطن العربي الكبير يمكن أن نلمحه في مجتمعنا الخليجي الأقرب حيث نجد الكثير من الأسماء في قمة الجبل.
أما الأدب الأنثوي في عمان فقد ظل وبعيدا جدا عن الولوج في هذا المضمار؛ مما يضع علامتي تعجب واستفهام كبيرتين أمام هذه الظاهرة، ورغم كل التبريرات التي قد نوجدها؛ كالأخذ بالاعتبار بعثنا القريب الذي يشكل خصوصية للثقافة العمانية، ودور المرأة الأدبي المردوم سابقا وانطلاقها في مرحلتها الجديدة من موقع خال من الأرث الثقافي والأدبي إلا الذكوري منه، والذي يشكل خصوصية ثقافية أخرى للذات الثقافية الأنثوية العمانية. إلا أن الكيان الأنثوي الثقافي لم تظهر له فيما بعد أية ملامح أو دلالات حقيقية على قرب حدوث حمل إبداعي ثقافي قريب، بل كان ولا يزال بعيدا عن الثقافة الحقيقية، وهموم الإبداع الجارح، رغم ظهور بعض الأسماء على استحياء أو مضض، أو زج بعضها الآخر زجا مغرضا في معرض الحياة الثقافية، إلا أنه ظل بين الذات الأنثوية المبدعة والإبداع بون شاسع، وظل الإبداع الأنثوي مجرد محاولات محكومة بالبراني من الظواهر الفنية والقضايا الأدبية، وظلت الذات الأنثوية المبدعة تحارب الطواحين.
فبعد ثلاثة عقود زمنية على خروج الذات الأنثوية العمانية لترسم مفرداتها الخاصة على خريطة الوطن، في كل مكان، وبكل خصوصية واندماجها بمدخلات الحضارة الإنسانية ومعطياتها، وهي تسير في خطاها العلمية والمعرفية بشكل يبشر بالخير.
وإذا كان العلم هو المعيار الأوضح للثقافة؛ فان المدارس والمعاهد والجامعة والكليات تخرج ما يكفي لنعتهم بالمثقفين، ولكن الأمر ليس كذلك بالطبع، بل إن ثمة هوة كمينية واضحة المعالم في المسافة الفاصلة بين التحصيل الدراسي المتقن المفروض وغير المقصود لذاته، وبين الثقافة الحقيقية، فليس من الجائز في مثل مجتمعاتنا الحلم بأن كل من يحمل شهادة يعد مثقفا، ولكن لعلنا نغمض أعيننا لنحلم قليلا، بأن يولد ذلك العلم حساسية ما؛ تدفع البعض إلى نوع من الاحتفاء بالعقل وسبر الوجود، فلعل ذلك سيشكل بداية تدفع إلى مخاضات أكثر تعقيدا وولادات ثقافية أكثر عسرة ونضجا.
ولكن! إذا كان ذلك قد يشكل أملا بعيدا في ظهور مثقف أو مبدع واحد من الذكور؛ فان آخر ما يبعث على البشرى الأمل بظهور مثقفة أو مبدعة حقيقية، وإن ظهرت كانت كظهور نجمة ما تلبث أن تحترق في ذاتها، أو تختفي مخلفة وراءها استنكارا ثم تساؤلا ثم تجاهلا.
لقد أصبح الأمر يشكل ظاهرة مربكة تحتاج حلولا جذرية، فالجرح الثقافي لم يزل غضا سطحيا في ذهن المثقفة العمانية، بل أن صورتها الإبداعية في مخيلتها وفي مخيلة الرجل لم تزل محكومة بذات الهامش الضيق الذي حدد لها سلفا، والتي استجمعت قواها لتخرج منه فخرجت بجسدها - إن فعلت - وبقى الجانب الروحي والفكري والأكثر إلحاحا في الحضور الثقافي وأكثر فاعلية في الوجود المعرفي، رهين السياقات والأطر والهوامش القديمة، وسيادة الرجل الشرقي الذي يشكل هامشا أكثر ضيقا، وإطارا أكثر تجريحا.
إن عدم وقوف المبدعة العمانية أمام هذه الإشكالية بشكل صريح وعار تماما من أي رتوش أو تبريرات تفرزها مخيلتها الرافضة للتسليم بصحة هذا الطرح، ومحاولة برهنة عكس ذلك؛ هي نقطة العلة الأولى لتفشي هذا المرض في الكيان الثقافي الأنثوي في عمان. فهي راضية بما هي فيه، وما حققته من إنجازات وهمية، وتصم أذنيها عن النقد السليم، ولاشك أن معرفة الداء والتسليم بوجوده، نقطة البداية لعلاجه (ويا حبذا ثقة صادقة لمبدعة مثقفة واعية تتذوق كل يوم عصارة الإبداع، وتنصهر في بوتقاته ثم تتشكل كيانا خاصا وطريقا متميزا بعيدا عن التكرار والتقليد والتشابه والمماثلة، ولكن بعيد كثير من الصدق مع الذات ومع الحرف واحتراقاته).
أن المثقفة العمانية تحتاج أن تجتهد وتتعب على فكرها وثقافتها ووعيها بشكل حقيقي وجاد، ثم تصهر كل ذلك في وعيها، وتتشكل من خلاله كيانا أدبيا جديدا متميزا وصريحا في طرح ذاته وإشكالياته الخاصة بشكل أكثر حميمية وقربا مع الذات، وأكثر تعددية واختلافا مع الآخر، وبدون تلك المرحلة من الاعتراف والكشف، ثم الجهد لن نفارق هذه المرحلة المركبة ولن تتغلب على هذه الحالة غير السوية.
وان كانت العلة الحقيقية تنبع أولا من الذات، فان تلك الذات الضعيفة (في رأي مجتمعنا الشرقي) تحكمها ذات أكثر قوة وفهما ووعيا للحياة ومعرفة بالآخر والمجتمع، ذات تشكل في أقل صورة لها حارسا للشرف والفضيلة، التي قد تنتقص منها ومن كرامتها الذكورية ثقافة الأنثى وإبداعاتها لأن الكتابة فعل سافر مفضوح، وكشف وتعرية للداخل، وهذا قد يثير ضجة حول تلك الذات الدانتيلية التي لا تصلح لخوض غمار الحياة، ولا تفهم سوى السطحي الهامشي من الأمور، ويجب أن تبقى هكذا لتسهل السيطرة عليها من قبل الرقيب الذكر؛ حتى ولو كان الأخير مغموسا في ذات الفعل الإبداعي الثقافي حتى أذنيه.
إن تجاوز صخرة الحارس - إذا جاز لنا التعبير- أمر أكثر أهمية وإلحاحا لأن الكثير من الإبداعات الأنثوية الحقيقية، لا تزال في عصر العولمة والانترنت تحت الوسائد؛ خوفا من مسرور بحمقه وغبائه وسيفه المسلط، والمجتمع بكل مؤسساته الرسمية والمدنية مسئول عن مد يده لشهرزاد ليساعدها على تخطي قيود الحكاية، في محاولة غسل عقول مثقفينا على الأقل من طحالب عار الأنثى وهيمنة الذات الذكورية.
ثم إن ضروب الاحتفاء غير المقننة، وغير الحقيقة بالأقلام الأنثوية المقدمة للإبحار في يم الأدب، أو الواقفة على ضفافه استعدادا للرحلة القادمة؛ سواء كانت تلك الأقلام تمتلك مجاديف قادرة علو مجابهة التيار والعاصفة، أم تخطط للتجديف بابتسامة ملونة بأحمر الشفاه وكف ملطخة بالحناء، هي أحد مسببات العلة، ودافع من دوافع تقاعس الطرف الأحور عن القراءة والتثقيف وتأكيد كينونته الثقافية الطامح اليها.
إن الأدب النسائي الموجود على الساحة الثقافية العمانية الآن أدب غير مختمر الوجود، وغير مكتمل الملامح، وغير متبلور الهوية، بل لعله لا يعدو أن يكون (سحابة صيف سوف تنقشع) وبعيدا عن إشكاليات المضمون ودواعي العمق، أو السطحية، فأين الأسماء، وكم عددها؟؟
إن أجواء الاحتفاء والربت على الأكتاف لابد أن تستبدل بأجواء من الاستنفار والفزعة، إننا بحاجة إلى بناء صرح أدبي بقدمين سليمتين بعيدا عن أغلال الابتسامة الراضية عن حضور العباءة غير الحاضر في أغلب الأحيان، وثقافة محضة خالية من الشوائب والمجاملات.
إن الأقلام النقدية سواء كانت ذكورية أم أنثوية مسئولة مسؤولية حقيقية عن بعث ثقافي أدبي منتظر، مع الإيمان بأنه ليس هناك فكر ملتحٍ وآخر يلبس عباءة، وليس للخصوصية الجنسية الخلقية (بفتح الخاء) أي أثر على إنتاج الثقافة، فالتشكيل الفكري يتأثر أولا وأخيرا بالأسس الحضارية ومدى الالتحام بآليات الثقافة وأبعادها ووسائطها والتفاعل مع أشكالها الخارجية والداخلية، وقد نجد في بلد عدد المثقفات يفوق عدد المثقفين في بلد آخر، وفق الانفتاح على الحياة الثقافية.
كما أن دور المؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية لبناء أطر ثقافية واضحة النية لعدم المكوث بثقافة المرأة عند سلم الكتاب المدرسي، أو المجلات النسائية الهادفة إلى تعتيم الصورة الراقية للمرأة وبناء جدر بينها وبين تكوين ثقافي حقيقي.
إن الدور الذي يجب أن تضطلع به هذه المؤسسات ينبغي أن يكون أكثر وعيا وإسهاما في وضع لبنات جادة لكيان ثقافي أنثوي، وتأكيد ملامحه المشرقة، وتزويد الخطوات الواعدة بحثيث السير بما يساعدها على استكمال المسيرة نحو أفق أكثر رحابة وفكر أكثر عمقا، وثقافة أكثر وعيا بعيدا عن الهامشية والتخبط العشوائي اللذين يؤديان بالضرورة إلى السطحية والهشاشة، وتوضيح دور الأنثى في الثقافة والإبداع ليؤمن الجميع ذكورا وإناثا بان الثقافة والإبداع حق مفروض وفعل مشرّف.
ان بناء فكر منتج ليس خاضعا لاستراتيجية ما، ولكن ذلك ليس مدعاة لتعاطي الثقافة الاستهلاكية والأفكار المجانية كنوع من التساهل الفكري المرفوض، والتصفيق غير الواعي لكل قلم ولكل صوت ناعم لأن وجود قلم حي وحقيقي النزف أجدى من وجود ألف قلم لا يمتلك ذائقة أدبية أو حاسة ثقافية، وهذا ينطبق على شقي الثقافة وجميع من يتعاطى الإبداع ذكرا كان أو أنثى‘ فالاحتفاء أو النقد ينبغي أن يكون أكثر موضوعية وتجريدا ونزاهة.
وإذا كانت المرأة العمانية تحتاج بصفة عامة إلى تثقيف حقيقي في كافة الميادين الدينية والثقافية والتربوية والإنسانية، فالمرأة المبدعة بحاجة أكبر إلى تثقيف أكثر عمقا، والأخذ بيديها بكثير من الحزم والجدية وتلمس الوجع وهو قلة الإطلاع.
إن المبدعة التي تتوسل الجدية والمصداقية وتعرف طعم الاحتراق الذي يعنيه الإبداع وترغب مواصلة الطريق، وتنذر روحها لاحتراق أبدي ليس نيته الأضواء؛ بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى من يضيء لها الطريق سواء كان ذلك دور الأقلام الجادة، أو مؤسسات تستوعبها وتقيمها بعين الموضوعية، وتشجع إبداعها الجيد، وتغربل إنتاجها الرديء، فذلك وحده هو الحل الأمثل لحالة الهشاشة التي تسيطر على أدب المرأة في عمان، وذلك هو الطريق الذي سيمهد لإنتاج جيل من المبدعات العمانيات اللواتي يتخذن الإبداع هما، ووجعا يسعيْن من خلاله للكتابة بحبر الدم ووعي العقل.
تعليقات