فاطمة الشيدي
مجلة نزوى - 2002
حينما يبدأ الحديث عن المرأة, فنحن محاصرون بدائرة المسكوت عنه جبرا أو اختيارا، وحينما نضع صورتها في الأنساق الاجتماعية العربية تحت المجهر فنحن نسلط الضوء على بقعة ملغمة في العقل العربي, فالمرأة هي الوجع الذي لا براءة منه ولا شفاء, بل ولا تعيين حقيقي للعلة وموطنها, إنها الشق المغيَّب قهرا، أو بدون نية مسبقة, والشطر المهمَّش عن وعي أو عن عدمه؛ من قبل الآخر أو من قبل الذات.
فمن أين يأتي هذا الوجع?? وإلى أين يمتد? صورة غير مكتملة الأطر, وغير واضحة المعالم, غير أن الأحكام المعتمة والمؤطرة والمحددة سلفا (العادات والتقاليد) هي الأكثر قابلية للتطبيق, والأكثر حضورا واحتراما في الذاكرة العربية.
فصورة المرأة تتقدمها صورة (التفاحة المشتهاة, والملعونة في ذات الآن), وفي المقابل صورة الأم، وجميع مكملات الصورة الأسرية الابنة والأخت والخالات والعمات... الخ, وفي حين تمثل الأم صورة الملاك, تمثل المرأة التفاحة الشق الإنساني الدوني من الشهوات والغرائز وتمثل الشيطان بخبثه وتربصه بالبشر لإغوائهم.
إن صور المرأة حاضرة بشكل متداخل في الذهنية العربية، وبشكل متباين في درجة الحضور فلكل وجعه, ولكل سطوة واهتمام, ولكن كل تلك الصور لا تخلو من الخربشات، لأن صورة المرأة ليست نقية تماما، على صفحات الماء الذكوري (الاجتماعي) بكل أشكالها, فهي بصورة عامة ذات تعتيم سلطوي مقصود ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.
وهي صورة مطفأة ومؤطرة بحجم مسؤوليات وتبعيات كبيرة في مستواها الأدائي, قليلة في المستوى الامتناني - إلا على صعيد البنوة في شكل مثالي ربما - وخاضعة في مجملها للاستهلاك الجسدي الآلي لها؛ بدون حتى محاولة الوصول بها إلى مستوى معرفي معين من الحقوق والواجبات, بل إن زيادة الجهل لها؛ يحقق المزيد من الامتهان الروحي والجسدي والفكري، والمزيد من التسلط عليها, بشكل يقربها من مستوى الحيونة أو العبودية.
وهي من منطلق الصورة الأعم (العورة) التي يجب إخفاؤها وإخماد ثورتها الفكرية والروحية والجسدية؛ كي لا تتمرد على سيدها الرجل, فهي العقل الناقص والفكر المثقوب, وكل ما تأتيه ناقص في البدء وبعيد جدا عن الكمال البشري, وكل فعل يصدر عنها محكوم مسبقا بهذا البعد الناقص, فما هي إلا جسد فقط، للتحليل أو التحريم.
وهي - بعد ذلك- كائن تابع بحرفية متناهية, وغير مدرك لتبعيته, ومهمّش بالضرورة في أضيق الأطر من قبل الآخر في أكثر الأحايين، ومن قبل ذاته في بعضها، فمما يدعو للأسف أن المرأة في المجتمع العربي محاصرة من الداخل ومن الخارج, فهي محاصرة بذاتها، بالنظرة المشوهة التي أهداها إليها الرجل بفعل ذكوري مؤطر بإطار إسلامي مقحم, وقدمها لها لتصدقها وتحتكم إليها.صورة محاطة بسياجات من العتمة والتبعية ومحكومة بالامتثال التام للفعل الذكوري, جعلتها تحصر دائرة اهتماماتها في الذي قدم لها تلك الصورة، وفي تطبيع ذاتها لتكونها، ولم تجتهد لتقرأ الفعل الممهورة به تلك الصورة.
وبذلك ساهمت المرأة ولا تزال تساهم في تعزيز بناء تلك الصورة (امرأة تعني إنسانا هامشيا، رجل يعني إنسانا حقيقيا) ونقلها عبر الأجيال والتربية.
وتمتد تلك الصورة من المؤسسة الأولى وهي الأسرة؛ إلى كل هيكلة المجتمع، وتتخلل بناءاته الاجتماعية والإنسانية وأنساقه الثقافية والفكرية ولبناته العضوية, وتلتحم بالعظم واللحم فيه وتصير نمطا من أنماط حياته, وجزءا من تكوينه القيمي.
فالمرأة لا تعرف لها حقا, وبالتالي لم تسع له ولم تطلبه (السواد الأعم) وحينما يقع عليها ظلم الرجل تشرع في البحث عن قوارب النجاة، وتطلب أن تعلم ما لها وما عليها، ولكن كيف يكون ذلك، وكل القنوات ذكورية الصنع والمنشأ والمصب، ويبقى الحق الديني أو القانوني، وهناك تتطلب الصريح والواضح من الأحكام والقوانين، التي لا تجد عونا ماديا لتحقيقها، فهي لم تهيئ لذاتها إرثا ومعرفة أو قوة مادية أو موقفية وبهذا يكون الحكم ضدها غالبا.
والمرأة محاصرة من الخارج على صعيد الأفراد والمؤسسات فكم من عقل شوّه, وكم من قلم حوصر، وكم من فكر اتهم بالعقوق والتمرد والنشوز لا لعلة إلا لأنثويته، ولخروجه على صوت العادي، وقانون التبعية والائتلاف مع المعطيات الذكورية، والتملص من دائرة السائد إلى حدود الرفض واللائية. للمطالبة بصورة المرأة/الإنسان بما فيها من لسان وقلب وعقل وروح وجسد, هذه المعطيات التي تدخل الإنسان في دائرة الإنسانية العليا, والوجود الإنساني المحتوم بتكريم الخلق والتكليف. الكائن الإنساني الأنثوي الصنو لشقه الذكوري، المتقاطع معه في الفكر والشعور، والمتوازي معه في الخصائص الفكرية والإنسانية، والمختلف معه في بعض الجوانب النفسية والجسمانية.
إن المساواة تعني ببساطة الاعتراف بذات المرأة واحترام كيانها وأدوارها وشخصيتها وحقوقها, وابتعاد الطرف الذكوري عن تحديد مهامها، وتحجيمها، وتأطير مساحاتها في العطاء والتفكير والإبداع.وعلى المرأة أن تستوعب ذلك قبل كل شيء، تستوعب حريتها, ومن ثم تفرضها على الرجل، كما تفرض فكرة وجودها إلى جواره لا خلفه, ليبدآ معا رحلة الإصلاح لإشكالات العلاقة بينهما إصلاحا يبدأ من الداخل قبل الخارج، ومن الفرد قبل المؤسسة، لأنهما معا يشكلان المؤسسة الأولى ويعززان المؤسسات الأخرى. كما على المرأة أن تعرف حقوقها وتحددها سلفا،كما تعرف واجباتها ضمن مساحة المساواة والحرية وتؤمن إنها ذات دور واضح ومؤثر في المجتمع - بخلقها الخاص كامرأة - وهذا حق موجود فلا يطالب به.
وعلى المؤسسة الاجتماعية والثقافية أن تبدأ المناشط التوعوية للرجل والمرأة معا, لتوصل رسالتها للرجل ليدرك أنه والمرأة في كفة ميزان، وأن العلاقة السوية هي عدم رجحان كفة على أخرى. وتدعو المرأة لصوغ عقلها الثقافي الواعي بعيدا عن سياسة القمع التي حكمتها زمنا وتقبلتها بكل خنوع، ولزرع قيم روحية خُلقية بصورة عميقة في عقل الرجل والمرأة (الطفل) أي بتكوين أجيال جديدة خارج فكرة هذا الصراع الأزلي.
مجلة نزوى - 2002
حينما يبدأ الحديث عن المرأة, فنحن محاصرون بدائرة المسكوت عنه جبرا أو اختيارا، وحينما نضع صورتها في الأنساق الاجتماعية العربية تحت المجهر فنحن نسلط الضوء على بقعة ملغمة في العقل العربي, فالمرأة هي الوجع الذي لا براءة منه ولا شفاء, بل ولا تعيين حقيقي للعلة وموطنها, إنها الشق المغيَّب قهرا، أو بدون نية مسبقة, والشطر المهمَّش عن وعي أو عن عدمه؛ من قبل الآخر أو من قبل الذات.
فمن أين يأتي هذا الوجع?? وإلى أين يمتد? صورة غير مكتملة الأطر, وغير واضحة المعالم, غير أن الأحكام المعتمة والمؤطرة والمحددة سلفا (العادات والتقاليد) هي الأكثر قابلية للتطبيق, والأكثر حضورا واحتراما في الذاكرة العربية.
فصورة المرأة تتقدمها صورة (التفاحة المشتهاة, والملعونة في ذات الآن), وفي المقابل صورة الأم، وجميع مكملات الصورة الأسرية الابنة والأخت والخالات والعمات... الخ, وفي حين تمثل الأم صورة الملاك, تمثل المرأة التفاحة الشق الإنساني الدوني من الشهوات والغرائز وتمثل الشيطان بخبثه وتربصه بالبشر لإغوائهم.
إن صور المرأة حاضرة بشكل متداخل في الذهنية العربية، وبشكل متباين في درجة الحضور فلكل وجعه, ولكل سطوة واهتمام, ولكن كل تلك الصور لا تخلو من الخربشات، لأن صورة المرأة ليست نقية تماما، على صفحات الماء الذكوري (الاجتماعي) بكل أشكالها, فهي بصورة عامة ذات تعتيم سلطوي مقصود ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.
وهي صورة مطفأة ومؤطرة بحجم مسؤوليات وتبعيات كبيرة في مستواها الأدائي, قليلة في المستوى الامتناني - إلا على صعيد البنوة في شكل مثالي ربما - وخاضعة في مجملها للاستهلاك الجسدي الآلي لها؛ بدون حتى محاولة الوصول بها إلى مستوى معرفي معين من الحقوق والواجبات, بل إن زيادة الجهل لها؛ يحقق المزيد من الامتهان الروحي والجسدي والفكري، والمزيد من التسلط عليها, بشكل يقربها من مستوى الحيونة أو العبودية.
وهي من منطلق الصورة الأعم (العورة) التي يجب إخفاؤها وإخماد ثورتها الفكرية والروحية والجسدية؛ كي لا تتمرد على سيدها الرجل, فهي العقل الناقص والفكر المثقوب, وكل ما تأتيه ناقص في البدء وبعيد جدا عن الكمال البشري, وكل فعل يصدر عنها محكوم مسبقا بهذا البعد الناقص, فما هي إلا جسد فقط، للتحليل أو التحريم.
وهي - بعد ذلك- كائن تابع بحرفية متناهية, وغير مدرك لتبعيته, ومهمّش بالضرورة في أضيق الأطر من قبل الآخر في أكثر الأحايين، ومن قبل ذاته في بعضها، فمما يدعو للأسف أن المرأة في المجتمع العربي محاصرة من الداخل ومن الخارج, فهي محاصرة بذاتها، بالنظرة المشوهة التي أهداها إليها الرجل بفعل ذكوري مؤطر بإطار إسلامي مقحم, وقدمها لها لتصدقها وتحتكم إليها.صورة محاطة بسياجات من العتمة والتبعية ومحكومة بالامتثال التام للفعل الذكوري, جعلتها تحصر دائرة اهتماماتها في الذي قدم لها تلك الصورة، وفي تطبيع ذاتها لتكونها، ولم تجتهد لتقرأ الفعل الممهورة به تلك الصورة.
وبذلك ساهمت المرأة ولا تزال تساهم في تعزيز بناء تلك الصورة (امرأة تعني إنسانا هامشيا، رجل يعني إنسانا حقيقيا) ونقلها عبر الأجيال والتربية.
وتمتد تلك الصورة من المؤسسة الأولى وهي الأسرة؛ إلى كل هيكلة المجتمع، وتتخلل بناءاته الاجتماعية والإنسانية وأنساقه الثقافية والفكرية ولبناته العضوية, وتلتحم بالعظم واللحم فيه وتصير نمطا من أنماط حياته, وجزءا من تكوينه القيمي.
فالمرأة لا تعرف لها حقا, وبالتالي لم تسع له ولم تطلبه (السواد الأعم) وحينما يقع عليها ظلم الرجل تشرع في البحث عن قوارب النجاة، وتطلب أن تعلم ما لها وما عليها، ولكن كيف يكون ذلك، وكل القنوات ذكورية الصنع والمنشأ والمصب، ويبقى الحق الديني أو القانوني، وهناك تتطلب الصريح والواضح من الأحكام والقوانين، التي لا تجد عونا ماديا لتحقيقها، فهي لم تهيئ لذاتها إرثا ومعرفة أو قوة مادية أو موقفية وبهذا يكون الحكم ضدها غالبا.
والمرأة محاصرة من الخارج على صعيد الأفراد والمؤسسات فكم من عقل شوّه, وكم من قلم حوصر، وكم من فكر اتهم بالعقوق والتمرد والنشوز لا لعلة إلا لأنثويته، ولخروجه على صوت العادي، وقانون التبعية والائتلاف مع المعطيات الذكورية، والتملص من دائرة السائد إلى حدود الرفض واللائية. للمطالبة بصورة المرأة/الإنسان بما فيها من لسان وقلب وعقل وروح وجسد, هذه المعطيات التي تدخل الإنسان في دائرة الإنسانية العليا, والوجود الإنساني المحتوم بتكريم الخلق والتكليف. الكائن الإنساني الأنثوي الصنو لشقه الذكوري، المتقاطع معه في الفكر والشعور، والمتوازي معه في الخصائص الفكرية والإنسانية، والمختلف معه في بعض الجوانب النفسية والجسمانية.
إن المساواة تعني ببساطة الاعتراف بذات المرأة واحترام كيانها وأدوارها وشخصيتها وحقوقها, وابتعاد الطرف الذكوري عن تحديد مهامها، وتحجيمها، وتأطير مساحاتها في العطاء والتفكير والإبداع.وعلى المرأة أن تستوعب ذلك قبل كل شيء، تستوعب حريتها, ومن ثم تفرضها على الرجل، كما تفرض فكرة وجودها إلى جواره لا خلفه, ليبدآ معا رحلة الإصلاح لإشكالات العلاقة بينهما إصلاحا يبدأ من الداخل قبل الخارج، ومن الفرد قبل المؤسسة، لأنهما معا يشكلان المؤسسة الأولى ويعززان المؤسسات الأخرى. كما على المرأة أن تعرف حقوقها وتحددها سلفا،كما تعرف واجباتها ضمن مساحة المساواة والحرية وتؤمن إنها ذات دور واضح ومؤثر في المجتمع - بخلقها الخاص كامرأة - وهذا حق موجود فلا يطالب به.
وعلى المؤسسة الاجتماعية والثقافية أن تبدأ المناشط التوعوية للرجل والمرأة معا, لتوصل رسالتها للرجل ليدرك أنه والمرأة في كفة ميزان، وأن العلاقة السوية هي عدم رجحان كفة على أخرى. وتدعو المرأة لصوغ عقلها الثقافي الواعي بعيدا عن سياسة القمع التي حكمتها زمنا وتقبلتها بكل خنوع، ولزرع قيم روحية خُلقية بصورة عميقة في عقل الرجل والمرأة (الطفل) أي بتكوين أجيال جديدة خارج فكرة هذا الصراع الأزلي.
تعليقات