فاطمة الشيدي
شرفات - جريدة عمان
8 إبريل 2010
قرأت في أسفار الغيب أن سفري الأول كان وأنا في بطن أمي جنينا حرونا، ذهبت متعلقة بأمشاجها، لهناك، الذي أصبح الهنا الآن، كانت بلدتنا الوادعة في أحضان البحر، مغرقة في بدائيتها وفطرتها وعفويتها، والجمال المتوزع بين النخيل والملح لم يكن ليحمي الأم من هلاك محتوم؛ وهي تأتي لهذا العالم بجسد صغير وروح جديدة، لا تعرف بعد هل ستكون طيبة لتستحق كل ذلك العناء، وربما قد تفقد معها الحياة ، ولذا قرر والدي أن يأخذ أمي لمسقط، لمستشفى الرحمة (المستشفى الوحيد آنذاك) بتوجهه الإرسالي التبشيري، ومع هذا لم يفكر أحد من العمانيين في مقاطعته لأنه كذلك، بل سعوا إليه لأنه يد الله البيضاء التي انتشلتهم من الموت والأسقام.
ذهبت وأنا متشبثة بمشيمة أمي، أتدحرج في رحمها، وهي تتحرك بصعوبة صعودا ونزولا في مسقط المحفوفة بالجبال، وظللت أطول وقت ممكن لجنين مشاكس منذ ما قبل الحضور الفعلي للحياة، حيث ظللت أكثر من أسبوعين في مناورة وربما رفض للحضور لهذه الحياة، وعدت من هناك لحما طريا متشبثة بمشيمة مسقط ، التي كبرت داخلي يوما بعد يوم، وما زالت، لاتخذها وطنا منذ عام 1990، حيث سافرت سفرتي الجديدة الطويلة هذه المرة إليها - بعد سفرات قليلة ومتباعدة للجارة الأقرب- بل لعلي هاجرت هجرتي الأبدية لها، عبر أهداف أخرى هذه المرة أهمها التعليم الجامعي في الجامعة الوحيدة التي تقع فيها، ومنذ ذلك الحين ومسقط مدينة صرختي الأولى؛ هي وطني الحقيقي وربما الوحيد.
اليوم أستطيع أن أقول أن مسقط أمي ومدينتي، وأنني أعرفها جيدا، وهي كذلك تعرفني معرفة أم لطفلتها الغريبة، التي تتوه في الزحام، وتشكل عليها الأمكنة، وتحب الأزقة ورائح المدن المعتقة بالتاريخ والعشق أكثر من المدن المتمدّنة بتفاهة مصطنعة، فمسقط مدينة خاصة، هي ليست ثرثارة كالكثير من المدن، وليست وقحة كبعضها، وليست متصنعة كأخريات، وليست شعبية مجنونة أيضا، مسقط مدينة صامتة ولكنها ليست خرساء، هي متحدثة لبقة بجمال، هي متعددة وكثيرة، ولكن لابد من حوار طويل ودافئ معها لتكشف لك عمق روحها ومعطياتها ومكنوناتها الدفينة.
مسقط مدينة دافئة في كل فصول السنة، يمر البرد على قلبها خفيفا فلا يصيب شغفها بالجمال، ولا يجرح عشقها المالح للحياة إلا بقدر الدفء الذي ينبع من تفاصيلها العنيدة واختلافاتها الرؤوم، بين بحر حنون وجبل شامخ واخضرار متقد بالمحبة والجمال أبدا.
تلك التعرجات البعيدة والكثيرة والتي تشبه جروح التاريخ على جسدها الشامخ، ذلك التعالي والشموخ، والتصاعدات الحية والحيية في أروقة الجغرافيا واكتنازات التاريخ.
مسقط مدينة متزنة وثابتة وواثقة تقف باعتداد في منتصف كل شيء ؛ العمر والجمال والحنان، مأخوذة بماضيها التليد وتاريخها العريق، ومشغولة بجغرافيتها المنمنمة بدقة، والمشغولة بعناية يد إلهية أعطتها فأفاضت، وعمران متناسق، استلهمت الماضي وفتحت قلبها للحاضر، فلم تصنع على عجل، ولم تتملص من إرثها الروحي، ورائحة ماضيها الواخزة باتجاهات جديدة وسريعة.
مسقط مدينة الغرباء والعشاق والحزانى والسهارى والمجانين، ترتق شروخهم في روحها الصامتة، وتدثر حزنهم في مساماتها الدافئة، ولكنها لا تفضح جنونهم، ولا تشي بهم في طرقاتها الواضحة، فهي لا تسمح للعابرين أن يشمتوا في عشاقها ومجانينها، تسندهم بيد خفية، وتحميهم بعين راضية، وتهبهم صدرها متكأ يبكوا على شرفاتها البعيدة، وشوارعها الخلفية، وبيوتها الحجرية الضيقة.
مسقط ليست مدينة السياح، فهي تنفر من عريهم المتبجح، وأضواء كاميراتهم الغريبة المعجبة برفعتها، تهبهم وجها عابسا ، لكنها تبتسم بدفء أم رؤوم للأشقاء وللأصدقاء وللشعراء والغرباء والباحثين عن وطن، تفتح لهم قلبها، وتحتضن جراحهم، تشعرهم بالأمان حتي يستشعروا طعم الوطن والدفء والحنان.
مسقط مدينة الروح، حيث ولدت ذات بدء بعيد، لأذهب عنها مولعة بها لأعود إليها ممسوسة، فتفتح ذراعيها، مسقط سفري الأول وبيتي الأخير، مسقط مديني وأمي.
مسقط مدينة دافئة في كل فصول السنة، يمر البرد على قلبها خفيفا فلا يصيب شغفها بالجمال، ولا يجرح عشقها المالح للحياة إلا بقدر الدفء الذي ينبع من تفاصيلها العنيدة واختلافاتها الرؤوم، بين بحر حنون وجبل شامخ واخضرار متقد بالمحبة والجمال أبدا.
تلك التعرجات البعيدة والكثيرة والتي تشبه جروح التاريخ على جسدها الشامخ، ذلك التعالي والشموخ، والتصاعدات الحية والحيية في أروقة الجغرافيا واكتنازات التاريخ.
مسقط مدينة متزنة وثابتة وواثقة تقف باعتداد في منتصف كل شيء ؛ العمر والجمال والحنان، مأخوذة بماضيها التليد وتاريخها العريق، ومشغولة بجغرافيتها المنمنمة بدقة، والمشغولة بعناية يد إلهية أعطتها فأفاضت، وعمران متناسق، استلهمت الماضي وفتحت قلبها للحاضر، فلم تصنع على عجل، ولم تتملص من إرثها الروحي، ورائحة ماضيها الواخزة باتجاهات جديدة وسريعة.
مسقط مدينة الغرباء والعشاق والحزانى والسهارى والمجانين، ترتق شروخهم في روحها الصامتة، وتدثر حزنهم في مساماتها الدافئة، ولكنها لا تفضح جنونهم، ولا تشي بهم في طرقاتها الواضحة، فهي لا تسمح للعابرين أن يشمتوا في عشاقها ومجانينها، تسندهم بيد خفية، وتحميهم بعين راضية، وتهبهم صدرها متكأ يبكوا على شرفاتها البعيدة، وشوارعها الخلفية، وبيوتها الحجرية الضيقة.
مسقط ليست مدينة السياح، فهي تنفر من عريهم المتبجح، وأضواء كاميراتهم الغريبة المعجبة برفعتها، تهبهم وجها عابسا ، لكنها تبتسم بدفء أم رؤوم للأشقاء وللأصدقاء وللشعراء والغرباء والباحثين عن وطن، تفتح لهم قلبها، وتحتضن جراحهم، تشعرهم بالأمان حتي يستشعروا طعم الوطن والدفء والحنان.
مسقط مدينة الروح، حيث ولدت ذات بدء بعيد، لأذهب عنها مولعة بها لأعود إليها ممسوسة، فتفتح ذراعيها، مسقط سفري الأول وبيتي الأخير، مسقط مديني وأمي.